{وَاضْرِبُوهُنّ} إن لم ينجع ما فعلتم من العظمة والهجران ، ضرباً غير مبرح أي: شديد ولا شاق ، كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر عن النبي صَلّى اللهُ عليّه وسلّم أنه قال في حجة الوداع: ( واتقوا الله في النساء ، فإنهن عوانٍ عندكم ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَداً تَكْرَهُونَهُ . فَإِنْ فَعَلْنَ فَاضْرِبُوهُنّ ضَرْباً غَيْرَ مُبَرّحٍ ) .
قال الفقهاء: هو أن لا يجرحها ، ولا يكسر لها عظماً ، ولا يؤثر شيناً ، ويجتنب الوجه لأنه مجمع المحاسن ، ويكون مفرّقاً على بدنها ، ولا يوالي به في موضع واحد لئلا يعظم ضرره ، ومنهم من قال: ينبغي أن يكون الضرب بمنديل ملفوف ، أو بيده ! لا بسوط ولا عصا ، قال عطاء: ضرب بالسواك .
قال الرازي: وبالجملة ، فالتخفيف مراعى في هذا الباب على أبلغ الوجوه ، والذي يدل عليه أنه تعالى ابتدأ بالوعظ ، ثم ترقى منه إلى الهجران في المضاجع ، ثم ترقى منه إلى الضرب ، وذلك تنبيه يجري مجرى التصريح في أنه مهما حصل الغرض بالطريق الأخف ، وجب الاكتفاء به ، ولم يجز الإقدام على الطريق الأشق ، وهذه طريقة من قال: حكم هذه الآية مشروع على الترتيب ، فإن ظاهر اللفظ ، وإن دل على الجمع ، إلا أن فحوى الآية يدل على الترتيب .
قال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: يهجرها في المضجع ، فإن أقبلت وإلا فقد أذن الله لك أن تضربها ضرباً غير مبرح ، ولا تكسر لها عظماً ، فإن أقبلت وإلا فقد أحل الله لك منها الفدية .
وقال آخرون: هذا الترتيب مراعى عند خوف النشوز ، أما عند تحققه فلا بأس بالجمع بين الكل .
وعن النبي صَلّى اللهُ عليّه وسلّم: ( علقوا السوط حيث يراه أهل البيت ، فإنه أدب لهم ) . رواه عبد بن حميد والطبراني عن ابن عباس ، وأبو نعيم في الحلية عن ابن عمر .