فلا عجبَ أن يُيسِّر الله تعالى على النفس البشرية ما اعتادت عليه من معاصٍ ومُحرَّمات بالتدرُّج الحكيم في بيان أحكامه وأوامره، حتى وصلت الرسالة والنبوَّة لطورها الأخير بعد أن تهيَّأت القلوب، ورسخ الإيمان فيها، وصارت النفوسُ المؤمنةُ قادرةً على التطبيق والتنفيذ، فكانت الرسالة الخاتمة الكاملة المناسبة لفطرة الإنسان بوسطيَّتها واعتدالها وسماحتها المنزَّلة على خاتم الرسل وإمامِهم نبيِّ الرحمة صلى الله عليه وسلم.
ونذكر هنا أمثلةً من القرآن والسنة في مسألة التحريم والإباحة والتدرُّج فيهما، والله المستعان:
• من التدرُّج في الإباحة، ثم التحريم بعد ذلك، ونسخ الحكم: صيام رمضان، وكما هو معلوم أن الصيام لم يُفرض بمكةَ؛ وإنما فُرض بالمدينة المنورة بعد الهجرة، ولا يخفى أن الصيام مرَّ بثلاث مراحل مُتدرِّجة، ذكرها ابنُ كثيرٍ رحمه الله تعالى في تفسيره لقوله تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" [البقرة: 183] ، فقال رحمه الله: وأما أحوال الصيام، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدِم المدينةَ، فجعل يصوم من كلِّ شهرٍ ثلاثةَ أيامٍ، وصام عاشوراء، ثم إن الله تعالى فرض عليه الصيام، وأنزل الله تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" [البقرة: 183] إلى قوله تعالى:"وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ" [البقرة: 184] ، فكان مَن شاء صام، ومَن شاء أطعم مسكينًا، فأجْزأ ذلك عنه، ثم إن الله تعالى أنزل الآية الأخرى:"شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ" [البقرة: 185] إلى قوله:"فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ" [البقرة: 185] ، فأثبت الله صيامَه على المقيم الصحيح، ورخَّص فيه للمريض والمسافر، وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام؛ اهـ [2] .
ويتبيَّن لنا مما سبق أن الصيام كان على ثلاث مراحل متتالية ونُسِخ:
الأول: صيام ثلاثة أيام من كل شهر.