قوله - جلَّ جلالُه -: (وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ) أي: عن نكاح القعة حال السعة(وَاللَّهُ
غَفُورٌ رَحِيمٌ)لمن فعل ذلك، وربما قصر ذلك من ذكر المغفرة على
حال الضرورة.
يقول الله جل ذكره:(وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ
الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ)فأمر - جلَّ جلالُه - أن ينكح المؤمن
المؤمنة من الإماء نكاحًا تامًا أو نكاح متعة بقوله:(فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ
أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ).
وأخبر - جلَّ جلالُه - أن الإحصان يقع بنكاح المتعة كما يقع بنكاح المعهود، ثم قال جلَّ
قوله: (ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ) أي: من
نكاح المتعة لمن خشي العنت منكم، وأن تصبروا عن ذلك خير لكم؛ أي: لم تخافوا الخوف كله من مواقعة محذور الزنى.
كان نكاح الجاهلية على أربعة أضرب؛ منها هذا النكاح الذي أقره الإسلام، ثم
أحكمه على كلمة الله وسنة رسوله، فعلى هذا يقع قوله:(وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ
آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) [...] في قوله:(وَأَنْ تَجْمَعُوا
بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ).
ثم استثنى من ذلك قوله: (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) أي: من نكاحهم الفاسد كنكاح
المتحاببين وهم المنعاشقين ذوي الأخذان، وكنكاحهم الذي هو الزنى كيفما يمكن،
وعلى أي وجه وجدوه.
ومن ذلك الرايات على أبوابهن من جاء دخل، فقوله: (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) من
نكاح المتقدم الذي هو الزنى كذوات الأخذان والمساحقين والمساحقات، وهو
إراقة الماء فحسب لا طلبًا لعقب، ولا إحصان مرتبط بكلمة الله وسنة رسوله بقوله
-والله أعلم - بما نزل: (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) من ذلك فلا حرمة له إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً
وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (22) . يعني: النكاح، وهو أيضًا ممقوت نكاح الرجل امرأة أبيه.