وعجباً لأهل بلدنا حيث غَفَلوا عن موجب الكتاب والسنة في ذلك وقالوا: يُجعلان على يدي أمين ؛ وفي هذا من معاندة النّص ما لا يخفى عليكم ، فلا بكتاب الله ائتمروا ولا بالأقْيِسة اجتزأوا.
وقد ندبت إلى ذلك فما أجابني إلى بعث الحَكَمين عند الشقاق إلا قاضٍ واحد ، ولا بالقضاء باليمين مع الشاهد إلا آخر ، فلما ملّكني الله الأمر أجْريت السُّنّة كما ينبغي.
ولا تعجب لأهل بلدنا لما غمرهم من الجهالة ، ولكن اعجب لأبي حنيفة ليس للحَكَمين عنده خبر ، بل اعجب مرّتين للشافعيّ فإنه قال: الذي يشبه ظاهر الآية أنه فيما عمّ الزوجين معاً حتى يشتبه فيه حالاهما.
قال: وذلك أني وجدت الله عزّ وجلّ أذِن في نشوز الزوج بأن يصطَلِحا وأذن في خوفهما ألاّ يقيما حدود الله بالخُلْع وذلك يشبه أن يكون برضا المرأة.
وحظر أن يأخذ الزوج مما أعطى شيئاً إذا أراد استبدال زوج مكان زوج ؛ فلما أمر فيمن خِفنا الشقاق بينهما بالحكمين دلّ على أن حكمهما غير حكم الأزواج ، فإذا كان كذلك بعث حكما من أهله وحكما من أهلها ، ولا يبعث الحكمين إلا مأمونين برضا الزوجين وتوكيلهما بأن يجمعا أو يُفرّقا إذا رأيا ذلك.
وذلك يدل على أن الحكمين وكيلان للزوجين.
قال ابن العربيّ: هذا منتهى كلام الشافعيّ ، وأصحابُه يفرحون به وليس فيه ما يلتفت إليه ولا يشبه نصابه في العلم ، وقد تولى الردّ عليه القاضي أبو إسحاق ولم ينصفه في الأكثر.
أما قوله:"الذي يشبه ظاهر الآية أنه فيما عمّ الزوجين"فليس بصحيح بل هو نصّه ، وهي من أبين آيات القرآن وأوضحها جَلاء ؛ فإن الله تعالى قال: {الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النسآء} .
ومن خاف من امرأته نشوزاً وعَظَها ، فإن أنابت وإلا هجرها في المَضْجَع ، فإن ارعوت وإلا ضربها ، فإن استمرت في غلوائها مشى الحكمان إليهما.