أحدها: أن قوله: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ} مذكور على ما لم يسم فاعله ، فليس فيه تصريح بأن فاعل هذا التحريم هو الله تعالى ، وما لم يثبت ذلك لم تفد الآية شيئا آخر ، ولا سبيل إليه إلا بالإجماع ، فهذه الآية وحدها لا تفيد شيئا ، بل لا بد معها من الإجماع على هذه المقدمة ، وثانيها: أن قوله: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ} ليس نصا في ثبوت التحريم على سبيل التأييد ، فإن القدر المذكور في الآية يمكن تقسيمه إلى المؤبد ، والى المؤقت ، كأنه تعالى تارة قال: حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم إلى الوقت الفلاني فقط ، وأخرى: حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم مؤبدا مخلدا ، وإذا كان القدر المذكور في الآية صالحا لأن يجعل موردا للتقسيم بهذين القسمين ، لم يكن نصا في التأييد ، فاذن هذا التأييد لا يستفاد من ظاهر الآية ، بل من دلالة منفصلة ، وثالثها: أن قوله: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم} خطاب مشافهة فيخصص بأولئك الحاضرين ، فإثبات هذا التحريم في حق الكل إنما يستفاد من دليل منفصل ، ورابعها: أن قوله: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم} إخبار عن ثبوت هذا التحريم في الماضي ، وظاهر اللفظ غير متناول للحاضر والمستقبل فلا يعرف ذلك إلا بدليل منفصل ، وخامسها: أن ظاهر قوله: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم} يقتضي أنه قد حرم على كل أحد جميع أمهاتهم وجميع بناتهم ، ومعلوم أنه ليس كذلك ، بل المقصود أنه تعالى قابل الجمع بالجمع ، فيقتضي مقابلة الفرد بالفرد ، فهذا يقتضي أن الله تعالى قد حرم على كل أحد أمه خاصة ، وبنته خاصة ، وهذا فيه نوع عدول عن الظاهر ، وسادسها: أن قوله: {حرمات} يشعر ظاهره بسبق الحل ، إذ لو كان أبدا موصوفا بالحرمة لكان قوله: {حرمات} تحريماً لما هو في نفسه حرام ، فيكون ذلك إيجاد الموجود وهو محال ، فثبت أن المراد من قوله: