ولعلنا نلمس دعوة القرآن للإحسان والتقوى في مثل هذا الأمر، وأولى الناس بالإحسان زوجة رضيت أن تتنازل عن حقها، وأحق الناس محافظة على مشاعرها امرأة ضعيفة، لم تجد بُدًّا من ترك ما لها على زوجها، فتقوى الله وخشيته تدفعان إلى مراعاة كل ذلك {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} (النساء: 35) وهو ختام للآية يحمل ترهيبًا شديدًا للأزواج الناشزين.
ولهذا رأى المالكية أن القاضي إذا عرض عليه الأمر وعظ الزوج أولًا، فإن لم يفد أمره بهجره وإن لم يفد ضربه، وقالوا في الزوج بأنه يسجن.
هذه هي الوسائل التي وضعها رب العزة والجلال لإصلاح نشوز الرجل، ولإصلاح نشوز المرأة، لكن ما الرأي إذا استمر هذا النشوز، ولم تنتظم حياة هذين الزوجين، هل يمكن أن يستمر هؤلاء في حياة زوجية، ألا ترون أن هذا قد يؤدي إلى انحرافات خطيرة تهدد المجتمع في أساسه؟
وإذًا فليس هناك في تشريع الله إلا أن تقف هذه العلاقة مدة من الزمن؛ يراجع فيها كل منهما نفسه، وبعدها تستأنف حياة جديدة يسودها الصفاء والوئام، وهذا التوقف هو ما يعرف بالطلاق، وهو -كما ترون- علاج ناجع، شُرع لدفع الضرر عن الزوجين إذا استحال، أو صعبت المعيشة المشتركة بينهما، بحيث يصبح الفراق لازمًا وضرورة لا بد منها، وهذا العلاج لا يؤدي نتيجته المرجوة، إلا إذا تعاطاه المجتمع بالصورة التي أرشد إليها رب العزة سبحانه.
وهذه الصورة هي ما شرعه فيه من تقييده بعدد معين، بعد أن كان عند العرب وغيرهم لا حد له، فلا يتجاوز تطليقتين متفرقتين، أما الثالثة فلا تحل بعدها الزوجة إلا أن تتزوج غير زوجها هذا. قال تعالى: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} (البقرة: 229) . وقال: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَه} (البقرة: 229) . والطلاق مقيد أيضًا بالزمن، فلا طلاق في الحيض، وبالوصف فلا يطلقها في طهر جامعها فيه. قال تعالى: {يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ} (الطلاق: 1) .