إذن فكل المخالفات التي نراها تتم على خلاف ما تؤديه الأسباب إنما هي دليل طلاقة القدرة ، فلو كانت الأشياء تسير هكذا ميكانيكيا ، فسوف يقول الناس: إن الميكانيكا دقيقة لا تتخلف. لكن الحق يلفتنا إلى أنه يزاول سلطانه في ملكه ، فهو لم يزاول السلطان مرة واحدة ، ثم خلق الميكانيكا في الكون والأسباب ثم تركها تتصرف ، لا ، هو يوضح لنا: أنا قيوم لا تأخذني سِنَةٌ ولا نوم ، أقول للأسباب اعملي أو لا تعملي ، وبذلك نلتفت إلى أنه المسيطر.
وتجد هذه المخالفات في الشواذ في الكون ، حتى لا تَفْتِنَّاً رتابة الأسباب ، ولنذكر الله باستمرار ، ويكون الإنسان على ذكر من واهب الأسباب ومن خالقها ، فلا تتولد عندنا بلادة من أن الأسباب مستمرة دائماً ، ويلفتنا الحق إلى وجوده ، فتختلف الأسباب لتلفتك إلى أنها ليست فاعلة بذاتها ، بل هي فاعلة لأن الله خلقها وتركها تفعل ، ولو شاء لعطلها.
قلنا هذا في معجزة إبراهيم عليه السلام ، حيث ألقاه أهله في النار ولم يُحرق ، كان من الممكن أن ينجي الله إبراهيم بأي طريقة أخرى ، ولكن هل المسألة نجاة إبراهيم ؟ إن كانت المسألة كذلك فما كان ليمكنهم منه ، لكنه سبحانه مكنهم منه وأمسكوه ولم يفلت منهم ، وكان من الممكن أن يأمر السماء فتمطر عندما ألقوه في النار ، وكان المطر كفيلا بإطفاء النار ، لكن لم تمطر السماء بل وتتأجج النار. وبعد ذلك يقول لها الحق:
{قُلْنَا يانَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 69] .
بالله أهذا غيظ لهم أم لا ؟ هذا غيظ لهم ؛ فقد قدرتم عليه وألقيتموه في النار ، وبعد ذلك لم يَنْزِل مطر ليطفئ النار ، والنار موجودة وإبراهيم في النار ، لكن النار لا تحرقه. هذه هي عظمة القدرة.