تأمل كلمة {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ} تجدها في منتهي العطاء ، فإذا كان الواحد فقيراً ومديناً وأحال دائنه إلى غني من العباد فإنّ الدائن يفرح ؛ لأن الغنيّ سيقوم بسداد الدين وأدائه إلى الدائن ، فما بالنا بالتوبة التي أحالها الله على ذاته بكل كماله وجماله ، إنه قد أحال التوبة على نفسه لا على خلقه ، وهو سبحانه أوجب التوبة على نفسه ولا يملك واحد أن يرجع فيها ، ثم قال: {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ} أي أن العبد يرجو التوبة من الله ، وحين قال: {فَأُوْلَائِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} أي أن سبحانه قابل للتوب وغافر للذنب وحين يقول سبحانه: {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} فنحن نعلم أن كل تقنين لأي شيء يتطلب علماً واسعاً بما يمكن أن يكون وينشأ. والذين يتخبطون في تقنينات البشر ، لماذا يقنون اليوم ثم يعدلون عن التقنين غداً ؟ لأنهم ساعة قننوا غاب عنهم شيء من الممكن أن يحدث ، فلما حدث ما لم يكن في بالهم استدركوا على تقنينهم.
إذن فالاضطراب ينشأ من عدم علم المقنن بكل أحوال من يقنن لهم ماضياً وحاضراً ومستقبلاً ، والمقنن من البشر قد لا يستوعب الأحداث الماضية ، وذلك لأنه لا يستوعبها إلا في بيئته أو في البيئة التي وصله خبرها ، فحتى في الماضي لا يقدر ، ولا في المستقبل يقدر ، وكذلك في الحاضر أيضاً ، فالحاضر عند بيئة ما يختلف عن الحاضر في بيئة أخرى.
ونحن نعرف أن حواجز الغيب ثلاثة: أي أن ما يجعل الشيء غيباً عن الإنسان هو ثلاثة أمور:
الأمر الأول: هو الزمن الماضي وما حدث فيه من أشياء لم يرها المعاصرون ولم يعرفوها ؛ لذلك فالماضي قد حُجز عن البشر بحجاب وقوع الأحداث في ذلك الماضي ؛ ولذلك يلفتنا الله سبحانه وتعالى في تصديق رسوله صلى الله عليه وسلم فيقول سبحانه:
{وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَى مُوسَى الأَمْرَ} [القصص: 44] .