فصل
قال الفخر:
اختلف العلماء في أن الوصي هل له أن ينتفع بمال اليتيم؟ وفي هذه المسألة أقوال:
أحدهما: أن له أن يأخذ بقدر ما يحتاج إليه من مال اليتيم وبقدر أجر عمله، واحتج القائلون بهذا القول بوجوه: الأول: أن قوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً} مشعر بأن له أن يأكل بقدر الحاجة، وثانيها: أنه قال: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف} فقوله: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ} ليس المراد منه نهي الوصي الغني عن الانتفاع بمال نفسه، بل المراد منه نهيه عن الانتفاع بمال اليتيم، وإذا كان كذلك لزم أن يكون قوله: {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف} إذنا للوصي في أن ينتفع بمال اليتيم بمقدار الحاجة، وثالثها: قوله: {إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً} [النساء: 10] وهذا دليل على أن مال اليتيم قد يؤكل ظلما وغير ظلم، ولو لم يكن ذلك لم يكن لقوله: {إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً} فائدة، وهذا يدل على أن للوصي المحتاج أن يأكل من ماله بالمعروف، ورابعها: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا قال له: إن تحت حجري يتيما أآكل من ماله؟"قال: بالمعروف غير متأثل مالا ولا واق مالك بماله،"قال: أفأضربه؟"قال: مما كنت ضاربا منه ولدك،"وخامسها: ما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى عمار وابن مسعود وعثمان بن حنيف: سلام عليكم أما بعد: فاني رزقتكم كل يوم شاة شطرها لعمار، وربعها لعبدالله ابن مسعود، وربعها لعثمان، ألا وإني قد أنزلت نفسي وإياكم من مال الله بمنزلة ولي مال اليتيم: من كان غنيا فليستعفف، ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف.