إن إبليس قال ذلك وظن أنه سيهلك البشر جميعا ويوقعهم في المعصية إلا عباد الله الذين اصطفاهم وأخلصهم له ، لكن الله - سبحانه - خيَّب ظنه وشرع قبول توبة العبد ما لم يغرغر ، لم يصل إلى مرحلة خروج الروح من الجسد. فإذا ما قدم العبد التوبة لحظة الغرغرة فماذا يستفيد المجتمع ؟ لن يستفيد المجتمع شيئاً من مثل هذه التوبة ؛ لأنه تاب وقت ألاّ شر له ؛ لذلك فعلى العبد أن يتوب قبل ذلك حتى يرحم المجتمع من شرور المعاصي. {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّواءَ بِجَهَالَةٍ} هل يتوب أولا ، ثم يتوب الله عليه ؟
أنه سبحانه يقول:
{ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 118] .
هنا وقف العلماء وحق لهم أن يتساءلوا: هل يتوب العبد أولاً وبعد ذلك يقبل الله التوبة ؟ أم أن الله يتوب على العبد أولاً ثم يتوب العبد ؟ صريح الآية هو: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا} ونقول: وهل يتوب واحد ارتجالاً منه ، أو أن الله شرع التوبة للعباد ؟ لقد شرع الله التوبة فتاب العبد ، فقبل الله التوبة.
نحن إذن أمام ثلاثة أمور: هي أن الله شرع التوبة للعباد ولم يرتجل أحد توبته ويفرضها على الله ، أي أن أحداً لم يبتكر التوبة ، ولكن الذي خلقنا جميعاً قدَّر أن الواحد قد يضعف أمام بعض الشهوات فوضع تشريع التوبة. وهو المقصود بقوله {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} أي شرع لهم التوبة وبعد ذلك يتوب العبد إلى الله"ليتوبوا"وبعد ذلك يكون القبول من الله وهو القائل:
{غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ} [غافر: 3] .