قال ابن كثير في التفسير: «أجمع العلماء من السلف والخلف على أن الدين مقدم على الوصية» .. وتقديم الدين مفهوم واضح. لأنه يتعلق بحق الآخرين. فلا بد من استيفائه من مال المورث الذي استدان، ما دام قد ترك مالاً، توفية بحق الدائن، وتبرئة لذمة المدين. وقد شدد الإسلام في إبراء الذمة من الدين كي تقوم الحياة على أساس من تحرج الضمير، ومن الثقة في المعاملة، ومن الطمأنينة في جو الجماعة، فجعل الدين في عنق المدين لا تبرأ منه ذمته، حتى بعد وفاته:
عن أبي قتادة - رضي الله عنه - قال: قال رجل: يا رسول الله. أرأيت إن قتلت في سبيل الله، أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «نعم. إن قتلت وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر» . ثم قال: «كيف قلت؟» فأعاد عليه. فقال: «نعم. إلا الدين. فإن جبريل أخبرني بذلك» ..
(أخرجه مسلم ومالك والترمذي والنسائي) .
وعن أبي قتادة كذلك: أتي النبي - صلى الله عليه وسلم - برجل ليصلي عليه. فقال - صلى الله عليه وسلم -:
«صلوا على صاحبكم فإن عليه ديناً» فقلت: هو عليَّ يا رسول الله. قال: «بالوفاء؟» قلت: بالوفاء. فصلى عليه.
وأما الوصية فلأن إرادة الميت تعلقت بها. وقد جعلت الوصية لتلافي بعض الحالات التي يحجب فيها بعض الورثة بعضاً. وقد يكون المحجوبون معوزين أو تكون هناك مصلحة عائلية في توثيق العلاقات بينهم وبين الورثة وإزالة أسباب الحسد والحقد والنزاع قبل أن تنبت. ولا وصية لوارث. ولا وصية في غير الثلث.
وفي هذا ضمان ألا يجحف المورث بالورثة في الوصية.
وفي نهاية الآية تجيء هذا اللمسات المتنوعة المقاصد:
«آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً. فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً» ..