وهذا هو السبب الوحيد الذي يدعو إلى حكومة القانون الجارى فِي المجتمع غير أن المجتمعات الهمجية لا تتنبه لوضعها عن فكر وروية وإنما يكون الآداب والسنن فيها المشاجرات والمنازعات المتوفرة بين أفرادها فتضطر الجميع إلى رعاية أمور تحفظ مجتمعهم بعض الحفظ ولما لم تكن مبنية على أساس مستحكم كانت فِي معرض النقض والابطال تتغير سريعا وتنقرض ولكن المجتمعات المتمدنة تبنيه على أساس قويم بحسب درجاتهم فِي المدنية والحضارة فيرفعون به التضاد والتمانع الواقع بين الأرادات وأعمال المجتمع بتعديلها بوضع حدود وقيود لها ثم ركز القدرة والقوة فِي مركز عليه ضمان إجراء ما ينطق به القانون.
ومن هنا يظهر أولا أن القانون حقيقة هو ما تعدل به أرادات الناس وأعمالهم برفع التزاحم والتمانع من بينهما بتحديدها.
وثانيا أن أفراد المجتمع الذي يحكم فيه القانون أحرار فيما وراءه كما هو مقتضى تجهز الإنسان بالشعور والأرادة بعد التعديل ولذا كانت القوانين الحاضرة لا تتعرضلأمر المعارف الإلهية والأخلاق وصار هذان المهمان يتصوران بصورة يصورهما بها القانون فيتصالحان ويتوافقان معه على ما هو حكم التبعية فيعودان عاجلا أو آجلا رسوما ظاهرية فاقدة للصفاء المعنوي ولذلك السبب أيضا ما نشاهده من لعب السياسة بالدين فيوما تقضى عليه وتدحضه ويوما تميل إليه فتبالغ فِي إعلاء كلمته ويوما تطوى عنه كشحا فتخليه وشأنه.