أَحدهَا أَن مَذْهَب الْغَزالِيّ نَفسه أَن التَّكْلِيف بالمحال لذاته لَا يجوز على الله وَهُوَ مَشْهُور عَنهُ فِي شرح الْمُنْتَهى وَجمع الْجَوَامِع وَغَيرهمَا حَتَّى ذكرُوا أَن حجَّته على ذَلِك هِيَ حجَّة ابْن الْحَاجِب وَإِنَّمَا أَرَادَ الْغَزالِيّ بِالْوَصِيَّةِ بذلك فِي إحْيَاء عُلُوم الدّين الْمُوَافقَة لعقيدة الاشعرية على أَن ذَلِك لم يَصح قطّ عَن الاشعري وَلَا لذَلِك عَنهُ أصل صَحِيح كَمَا أوضحته فِي العواصم وَلذَلِك صدر ابْن الْحَاجِب الْمَسْأَلَة بِأَن التَّكْلِيف بالمحال لَا يجوز ثمَّ قَالَ وَنسب خِلَافه إِلَى الاشعري على صِيغَة مَا لم يسم فَاعله ثمَّ ذكر أَن ذَلِك نسب إِلَى الْأَشْعَرِيّ على جِهَة الالزام لَهُ لَا أَنه نَص على ذَلِك ثمَّ تعصب أَصْحَاب الاشعري لَهُ على توهم أَنه مذْهبه وقدموه على نُصُوص كتاب الله تَعَالَى ونصوص رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعَلى الْبَرَاهِين الْعَقْلِيَّة فإنا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون
وَثَانِيهمَا أَن الْغَزالِيّ ذكر فِي كِتَابه الاقتصاد فِي الِاعْتِقَاد تَأْوِيل ذَلِك بِمَا يُخرجهُ عَن مَحل النزاع وَيَقْتَضِي جمع الْكَلِمَة على نَفْيه عَن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَللَّه الْحَمد وَذَلِكَ أَنه ذكر فِيهِ أَن المُرَاد بذلك مُجَرّد اعْتِقَاد الْمُكَلف أَنه مُخَاطب بذلك لَا أَنه مَطْلُوب مِنْهُ لَكِن خُوطِبَ بِهِ ليعتقد توجه الطّلب اللَّفْظِيّ إليه لَا أَنه أُرِيد مِنْهُ فعله وَلَا يجب عَلَيْهِ إِلَّا مُجَرّد ذَلِك الِاعْتِقَاد
قلت وَهَذَا على نَحْو قَول الله تَعَالَى للمصورين يَوْم الْقِيَامَة أحيوا مَا خلقْتُمْ للتعجيز لَا لطلب ذَلِك مِنْهُم وَمِنْه حَدِيث من كذب فِي حلمه كلف يَوْم الْقِيَامَة عقد شعيرَة وَقد أَشَارَ إِلَى هَذَا الْجُوَيْنِيّ فِي مُقَدمَات الْبُرْهَان فَقَالَ إِن كَانَ المُرَاد وُرُود صِيغَة الأمر لَا حَقِيقَته فَذَلِك جَائِز كَقَوْلِه تَعَالَى {كونُوا قردة خَاسِئِينَ} فإن مَعْنَاهُ كوناهم قردة فَكَانُوا كَمَا شِئْنَا وَإِن كَانَ المُرَاد تَحْصِيل الْمَأْمُور بِهِ فَذَلِك مُمْتَنع قلت قد صرح الْغَزالِيّ فِي الاقتصاد أَن الأول هُوَ المُرَاد وعَلى هَذَا فَلَا يكون اعلام أبي لَهب بِأَنَّهُ سيصلي نَارا ذَات لَهب بعد كفره الْعَظِيم مَحل النزاع لوجوه: