وفي قوله - تعالى -: وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ بعد الإخبار بأنه - سبحانه - آتى داود الحكمة، إشعار بأن الإنسان لا يستغنى عن التعلم سواء أكان نبيا أم لم يكن، لأن داود - عليه السلام - مع حصوله على النبوة لم يستغن عن تعليم الله إياه، وقد أمر الله - تعالى - نبيه محمدا صلّى الله عليه وسلّم أن يلتمس المزيد من العلم فقال: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً.
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله على عباده فقال: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ.
أي: ولولا أن الله - تعالى - يدفع أهل الباطل بأهل الحق، لفسدت الأرض، وعمها الخراب لأن أهل الفساد إذا تركوا من غير أن يقاوموا استطارت شرورهم، وتغلبوا على أهل الصلاح والاستقامة، وتعطلت مصالح الناس، وانتشر الفساد في الأرض.
فلولا في الجملة الكريمة حرف امتناع لوجود. أي: امتنع فساد الأرض لأجل وجود دفع الناس بعضهم ببعض.
فالجملة الكريمة تأمر الأخيار في كل زمان ومكان أن يقفوا في وجوه الأشرار، وأن يقاوموهم بكل وسيلة من شأنها أن تحول بينهم وبين الفساد والطغيان.
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ.
أي: ولكن الله - تعالى - صاحب فضل عظيم، وإنعام كبير على الناس أجمعين، لأنه وضع لهم هذا التنظيم الحكيم الذي أوجب فيه على المصلحين أن يدافعوا المفسدين، وأن يقاوموهم بالطريقة التي تمنع فسادهم حتى ولو أدى ذلك إلى رفع السلاح في وجوههم، لأن السكوت عن فساد المفسدين سيؤدي إلى العقاب الذي يعمهم ويصيب معهم المصلحين.
ثم ختم - سبحانه - قصة هؤلاء القوم من بني إسرائيل بقوله: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ.