صحيح إن تعبدك وأنت فِي جوار بيت الله، يتميز بالدقة وحسن النية. كأنك وأنت فِي جوار بيت الله وفي حضرة رسول الله تستحي أن تفعل معصية. وساعة تسمع"الله أكبر"تنهض للصلاة وتخشع، ولا تؤذي أحداً، إذن لماذا لا يشيع هذا السلوك منك فِي كل وقت وفي كل مكان؟ إنك تستطيع أن تستحضر النية التعبدية فِي أي مكان، وستجد الصفاء النفسي العالي. إذن فحين يصطفي الله زماناً أو مكاناً أو يصطفي إنساناً إنما يشاء الحق سبحانه وتعالى أن يشيع اصطفاء الإنسان فِي كل الناس، واصطفاء المكان فِي كل الأمكنة واصطفاء الزمان فِي كل الأزمنة، ولذلك أتعجب عندما أجد الناس تستقبل رمضان بالتسبيح وبآيات القرآن وبعد أن ينتهي رمضان ينسون ذلك. وأقول هل جاء رمضان ليحرس لنا الدين، أم أن رمضان يجيء ليدربنا على أن نعيش بخلق الصفاء فِي كل الأزمنة؟
وقوله الحق:"كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم"يدلنا على أن المسلمين ليسوا بدعاً فِي مسألة الصوم، بل سبقهم أناس من قبل إلى الصيام وإن اختلفت شكلية الصوم. وساعة يقول الحق:"كتب عليكم الصيام"فهذا تقرير للمبدأ، مبدأ الصوم.
ويفصل الحق سبحانه المبدأ من بعد ذلك فيقول:
أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184) . انتهى انتهى. {تفسير الشعراوي صـ 764 - 766}