خص النبي صلى اللّه عليه وسلم بالنداء وعم بالخطاب «1» ، لأنّ النبي إمام أمّته وقدوتهم ، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان افعلوا كيت وكيت ، إظهارا لتقدّمه واعتبارا لترؤسه ، وأنه مدرة قومه «2» ولسانهم ، والذي يصدرون عن رأيه ولا يستبدّون بأمر دونه ، فكان هو وحده في حكم كلهم ، وسادّا مسدّ جميعهم. ومعنى إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ إذا أردتم تطليقهنّ وهممتم به على تنزيل المقبل على الأمر المشارف له منزلة الشارع فيه: كقوله عليه السلام «من قتل قتيلا فله سلبه» «3» ومنه كان الماشي إلى الصلاة والمنتظر لها في حكم المصلى فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ فطلقوهن مستقبلات لعدتهن «4» ، كقولك: أتيته لليلة بقيت من المحرم ، أي:
مستقبلا لها. وفي قراءة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: في قبل عدّتهنّ ، وإذا طلقت المرأة في الطهر المتقدم للقرء الأوّل من أقرائها ، فقد طلقت مستقبلة لعدتها. والمراد: أن يطلقن في طهر لم يجامعن فيه «5» ، ثم يخلين حتى تنقضي عدّتهنّ ، وهذا أحسن الطلاق وأدخله في السنة وأبعده
(1) . قال محمود: «خص النبي صلى اللّه عليه وسلم بالنداء وعم بالخطاب ... الخ» قال أحمد: وعلى هذا الفرق جرى قوله تعالى حكاية عن فرعون: قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى فأفرد موسى عليه السلام بالنداء ، لأنه كان أجل الاثنين عليهما السلام وعمهما بالخطاب. وقد تقدم فيه وجه آخر.
(2) . قوله «و أنه مدرة قومه» في الصحاح العرب تسمى القرية مدرة اه ، فالمعنى أنه بمنزلة القرية لقومه. (ع)
(3) . متفق عليه. وقد تقدم في أوائل البقرة.
(4) . قال محمود: «و معنى فطلقوهن مستقبلات لعدتهن ... الخ» قال أحمد: حمل القراءتين المستفيضة والشاذة على أن وقت الطلاق هو الوقت الذي تكون العدة مستقبلة بالنسبة إليه ، وادعى أن ذلك معنى المستقبل فيها ، ونظر اللام فيها باللام في قولك مؤرخا الليلة. الليلة بقيت من المحرم ، وإنما يعني أن العدة بالحيض: كل ذلك تحامل لمذهب أبى حنيفة في أن الأقراء الحيض ، ولا يتم له ذلك ، فقد استدل أصحابنا بالقراءة المستفيضة ، وأكدوا الدلالة بالشاذة على أن الأقراء الأطهار. ووجه الاستدلال لها على ذلك: أن اللّه تعالى جعلى العدة - وإن كانت في الأصل مصدرا - ظرفا الطلاق المأمور به. وكثيرا ما تستعمل العرب المصادر ظرفا ، مثل خفوق النجم ومقدم الحاج. وإذا كانت العدة ظرفا للطلاق المأمور به ، وزمانه هو الطهر وفاقا ، فالطهر عدة إذا. ونظير اللام هنا على التحقيق: اللام في قوله يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي وإنما تمنى أن لو عمل عملا في حياته ، وقراءته عليه السلام: في قبل عدتهن ، تحقق ذلك. فان قيل. الشيء جزء منه وداخل فيه وفي صفة مسح الرأس فأقبل بهما وأدبر ، أي مسح قبل الرأس وهو مقدمها ، فحينئذ قبل العدة جزء منها وهو الطهر.
(5) . قال محمود: «و المراد أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه ... الخ» قال أحمد: الأمر كما نقله ، وضابط السنة عند مالك: أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه واحدة وهي غير معتدة. والآية تدل لمذهبه على تأويل المتقدمين جميعا ، أما على تأويل الزمخشري وتفسيره المقيد بالاستقبال ، فلأن الطلاق المأمور به أي المأذون فيه في الآية:
مقيد بوقت تكون العدة مستقبلة بالنسبة إليه ، وهذا يأبى وقوع الطلاق في أثناء العدة الماضي بعضها. وأما على تأويلنا فلأنه مقيد بزمأن يكون أولا للعدة وقبلا لها ، وهذا يأبى من وقوعه مرادفا في الطهر الثاني والثالث ، غير أن البدعة عند مالك تتفاوت ، فلا جرم قال إن طلقها في الحيض أجبر على الرجعة ، فإن أبى ارتجع عليه الحاكم ، وإن طلقها في طهر مسها فيه أو أردف الطلاق لم يجبره ،