أحدهما: تخويف أمة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - والكفرة من أهل مكة بما نزل بالأمم الخالية حين تركوا اتباع رسلهم والإيمان بهم، واستكبروا في أنفسهم، وعتوا لكي ينتهي أهل قريته - عليه السلام - عما هم فيه من الكفر والعتو، [ويحذروا] الوقوع فيه في حادث الأوقات.
ويحتمل أن يكون هذا تسكينا لقلب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ، وتهوينا عليه ما يلقى من كفر قومه وعصيانهم وعتوهم، وليعلم ما لقيت الرسل المتقدمة من أممهم حتى بلغ كفرهم واستكبارهم المبلغ الذي وقع اليأس منه عن إيمانهم، حتى أنزل اللَّه تعالى بهم ما أنزل من النقم والعقوبة.
ويجوز أن يكون هذه محنة امتحن بها رسوله؛ ليعلم شفقته على أمته في ترك الدعاء عليهم بالإهلاك، واللَّه أعلم.
وقوله: (فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا ...(9) .
أي: شدة أمرها، أو نقمة أمرها، وعقوبة كفرها.
وقوله: (وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا) .
أي: عاقبة عتوها خسارة في الآخرة.
وقوله: (أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا(10) .
أي: فاتقوا اللَّه يا من تدعون أن لهم لُبًّا، فاتقوه عن أن تكفروا به وبرسوله.
وفيه دلالة: أن خطاب اللَّه إنما يتناول العقلاء منهم، وأن من لا عقل له لا خطاب عليه.
وقوله: (قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا) ، له وجهان:
أحدهما: أن يجعل الذكر والرسول كله واحدًا، فيقول: أنزل اللَّه إليكم ذكرا، وهو الرسول، وإنما سماه: ذكرا؛ لوجهين:
أحدهما: أن من اتبعه شرُفَ وصار مذكورا.
أو سماه: ذكرا؛ لأنه يذكرهم المصالح والمضار، وما يرجع إليهم من أمر دينهم وعقباهم.
ويجوز أن يكون فيه إضمار، وهو أن يقول: أنزل اللَّه إليكم ذكرًا، وأرسل إليكم رسولا.