واعلم أنَّ منشأ ما ذكرناه هنا عن اليهود والنصارى من الكفر حتى ادَّعوا ما ادَّعوا، وقالوا ما قالوا إنَّما هو من اعتقاد التشبيه، وتأولهم لما في كتابهم من آيات الصفات على قدر آرائهم من غير ملاحظة للتنزيه،
ولذلك ضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - ضحك تهكُّم على ذلك الحَبر الذي جاء فيما رواه الشيخان عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: جاء حَبْر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا محمد! إن الله يضع السماء على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال على أصبع، والشجر والأنهار على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، ثم يقول: أنا الملك.
فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقالَ: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [سورة الزمر: 67] "."
وفي رواية فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت نواجذه تصديقاً للحبْر، ثم قرأ الآية.
أي: تصديقاً له في اعتقاد القبضة، وتعجباً من حيث حمل هذه الصفة على ما فهم من التشبيه.
قال الحسن: إن اليهود نظروا في خلق السموات والأرض والملائكة، فلما فرغوا أخذوا يقدِّرونه، فأنزل الله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [سورة الزمر: 67] . رواه ابن أبي حاتم.
وروى الترمذي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: مرَّ يهودي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله السموات على ذه، والأرض على ذه، والماء على ذه، والجبال على ذه، وسائر الخلق على ذه - وأشار بعض الرواة بخنصره أولاً، ثم تابع حتى بلغ الإبهام -؟
فأنزل الله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [سورة الزمر: 67] .