أما (بصطة) فجاءت في وصف عاد قوم هود. قال تعالى: {أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاَءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} . و (البصطة) في هذا السياق الطول. ولما كانت السين اضعف من الصاد خص طالوت بالبسطة وقوم هود بالبصطة (( فكأن السين الذي هو اضعف، أليق بالشخص الواحد والصاد الذي هو أقوى واظهر وأليق بالقبيلة ) ).
(خِفَافا / ثِقَالا)
الثقل والخفة متضادان يستعملان مع العدد والوزن.
واستعملهما القرآن الكريم في سياق واحد حثا على الجهاد، وذلك قوله تعالى: {انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} . لقد تعددت الدلالات
المستوحاة من هذا الاستعمال، فقيل فيه (( شبانا وشيوخا، ... وفقراء وأغنياء ... وغرباء ومستوطنين ... ونشاطا وكسالى ... ) ). وأخف ما قيل فيه أنه (( خفة اليقين وثقلة عند ... الكراهة ) ). ولما كان مطلب الآية الحركة والنفور إلى القتال في سبيل الله جاء (( الحث على النفر على كل حال تصعب وتسهل ) ).
وتنفر إلى اللفظين إشارات عرفانية، فيشير (خفافا) إلى حضور القلوب، وذهاب تعب مجاهدات النفس، وترويضها على حب الجهاد وتحريرها من عاجل الأجر واللذة. اما (ثقالا) فإشارتها إلى إيكال تعب الجهاد إلى الجسم، وعدم حضور القلب، فيكون عندئذ التكاسل. وتبقى إشارتها إلى التفكُّر والتناصر؛ ذلك أنَّ عدم التمثل القلبي والروحي للممارسة ... الجهادية، وبقاءها في حدود الممارسة البدنية، ويودي بفيوضاتها الإصلاحية على مستوى النفس أولا، والمحيط ثانيا.