وقال السدي ومقاتل: يعني: الأعراب الذين تخلفوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الحديبية، وقد ذكرناهم في سورة الفتح، وهؤلاء كانوا قد أظهروا كلمة الإسلام ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم من سرايا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي كانت تمر بهم، والمعنى: أنهم يقولون: قد صدقنا بما جئت به، {قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا} لم تصدقوا {وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} ، قال ابن عباس: أقررنا بالإيمان.
وقال مقاتل ومجاهد وقتادة: انقدنا واستسلمنا مخافة القتل والسبي، ثم بين أن الإيمان محله القلب لا اللسان بقوله: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} .
قال أبو إسحاق: والإسلام: إظهار الخضوع وقبول ما أتى به النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وبذلك يحقن الدم، فإن كان مع ذلك الإظهار اعتقاد وتصديق بالقلب فذلك الإيمان، وصاحبه المؤمن المسلم حقاً، وأما من أظهر قبول الشريعة
واستسلم لدفع المكروه فهو في الظاهر مسلم، والإيمان لا بد أن يكون صاحبه صديقاً؛ لأن قولك: آمنت بكذا، معناه: صدقت به، وقد أخرج الله هؤلاء من الإيمان فقال: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} أي: لم تصدقوا إني أسلمتم تعوذاً من القتل، والمسلم الذي أظهر الإسلام تعوذاً غير مؤمن في الحقيقة، إلا أن حكمه في الظاهر حكم المسلمين. انتهى كلامه.
ومعنى الإيمان والإِسلام وحقيقتهما في اللغة قد سبق ذكره في سورة البقرة.
قوله: {وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} قال ابن عباس: تخلصوا الإيمان، {لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا} وقرأ أبو عمرو: (لا يألتكم) من ألت، وهما لغتان، قال أبو زيد: قالوا: الله السلطان حَقّه يألته ألتًا، مثل: ضربه يضربه ضرباً إذا نقصه، قال: وقوم يقولون: لات يلت، وحكى التوزي:
في ألت آلت يولت إيلاتاً.