وَاذْكُرْ مَحَاسِنَ مَا فَيْهِمْ إِذَا ذُكِرُوْا ... وَلَا تَعِبْ أَحَدًا مِنْهُمْ بِمَا فَيْكَا
وفي الحديث:"طوبى لمن يشغله عيبه عن عيوب الناس". ولا يدخل في الآية ذكر الفاسق؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -:"اذكروا الفاجر بما فيه، كي يحذره الناس".
يقول الفقير: أشار التعليل في الحديث إلى أنّ ذكر الفاجر بما فيه من العيوب، إنما يصحّ بهذا الغرض الصحيح، وهو أن يحذر الناس منه، وإلا فالإمساك، مع أن في ذكره تلويث اللسان الطاهر؛ ولذا نقل عن بعض المشايخ: أنه لم يلعن الشيطان، إذ ليس فيه فائدة سوى اشتغال اللسان بما لا ينبغي، فإنّ العداوة له إنما هي بمخالفته، لا بلعنته فقط.
وقرأ الجمهور: {وَلَا تَلْمِزُوا} بكسر الميم، وقرأ الحسن، والأعرج وعبيد عن أبي عمرو: بضمها، وقال أبو عمرو هي عربية، وقال ابن جرير: اللمز باليد والعين واللسان والإشارة، والهمز لا يكون إلا باللسان. اهـ.
{وَلَا تَنَابَزُوا} وتدعوا أنفسكم {بِالْأَلْقَابِ} السيئة؛ أي: لا يدع بعضكم بعضًا باللقلب الذي يسوؤه ويكرهه، كأن يقول لأخيه المسلم: يا فاسق يا منافق، أو يقول لمن أسلم: يا يهوديُّ أو يا نصرانيُّ، وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: التنابز بالألقاب: أن يكون الرجل قد عمل السيئات، ثمّ تاب وراجع الحق، فنهى الله تعالى أن يعبّر بما سلف من عمله، أما الألقاب التي تكسب حمدًا ومدحًا، وتكون حقًا وصدقًا .. فلا تكره، كما قيل لأبي بكر: عتيق، ولعمر: الفاروق، ولعثمان: ذو النورين، ولعليّ: أبو تراب، ولخالد: سيف الله، من النبز بسكون الباء، مصدر نبزه بمعنى لقبه، والنبز بفتحها: اللقب مطلقًا؛ أي: حسنًا كان أو قبيحًا، ومنه قيل في الحديث:"قومٌ نبْزهم الرافضة"؛ أي: لقبهم، ثم خص في العرف باللقب القبيح، وهو ما يكره المدعو أن يدعى به، واللقب: ما سمي به الإنسان بعد اسمه العلم، من لفظ يدل على المدح، كزين العابدين، أو الذم كأنف الناقة، لمعنى فيه.