والمعنى: أنه تعالى حبّب إليكم ما حبّب، وكرّه إليكم ما كرّه؛ لأجل فضله وإنعامه، لا للراشدين، فإنّ الفضل فعل الله، والرشد وإن كان مسبّبًا عن فعله، وهو التحبيب والتكريه مسند إلى ضمير {هُمُ} ؛ يعني: أنّ المراد بالفاعل: من قام به الفعل، وأسند هو إليه، لا من أوجده، ومن المعلوم: أنّ الرشد قائم بالقوم، والفضل والإنعام قائمان به تعالى، فلا اتحاد في الفاعل، وقيل: علّة لمحذوف؛ أي: جعلكم راشدين لأجل فضله وإنعامه، وقيل: النصب بتقدير فعل؛ أي: تبتغون فضلًا ونعمةً.
والخلاصة: أنّ رسول الله بين أظهركم، وهو أعلم بمصالحكم، لو أطعاكم في جميع ما تختارونه .. لأدّى ذلك إلى عنتكم ووقوعكم في مهاوي الردى، ولكنّ بعضًا منكم حبّب إليهم الإيمان, وزيّنه في قلوبهم، وكرّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وأولئك هم الذين أصابوا الحق، وسلكوا سبيل الرشاد.
{وَاللَّهُ} سبحانه وتعالى {عَلِيمٌ} بمن يستحق الهداية، ومن يستحق الغواية {حَكِيمٌ} في تدبير شؤون خلقه، وصرفهم فيما شاء من قضائه، فيفعل كل ما يفعل بموجب الحكمة.
وفي الآية دليل على أنّ من كان مؤمنًا، لا يحبّ الفسق والمعصية، وإذا ابتلي بالمعصية .. فإنّ شهوته وغفلته تحمله على ذلك، لا لحبّه للمعصية، بل ربّما يعصي حال الحضور؛ لأنّ فيه نفاذ قضائه تعالى.