وقوله: {إن شاء اللَّه} من شأنه أن يذيل به الخبر المستقبل إذا كان حصوله متراخياً ، ألا ترى أن الذي يقال له: افعل كذا ، فيقول: أفعل إن شاء الله ، لا يفهم من كلامه أنه يفعل في الحال أو في المستقبل القريب بل يفعله بعد زمن ولكن مع تحقيق أنه يفعله.
ولذلك تأولوا قوله تعالى في سورة يوسف (99) {وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين أنّ إن شاء اللَّه} للدخول مع تقدير الأمن لأنه قال ذلك حين قد دخلوا مصر.
أما ما في هذه الآية فهو من كلام الله فلا يناسبه هذا المحمل.
وليس المقصود منه التنصل من التزام الوعد ، وهذا من استعمالات كلمة {إن شاء اللَّه} .
فليس هو مثل استعمالها في اليمين فإنها حينئذٍ للثُّنْيا لأنها في موضع قولهم: إلا أن يشاء الله ، لأن معنى: إلا أن يشاء الله: عدم الفعل ، وأما إن شاء الله ، التي تقع موقع: إلا أن يشاء الله ، فمعناه إن شاء الله الفعلَ.
والموعود به صادق بدخولهم مكة بالعمرة سنة سبع وهي عمرة القضية ، فإنهم دخلوا المسجد الحرام آمنين وحَلق بعضهم وقصّر بعض غير خائفين إذ كان بينهم وبين المشركين عهد ، وذلك أقرب دخول بعد هذا الوعد ، وصادق بدخولهم المسجد الحرام عام حجة الوداع ، وعدمُ الخوف فيه أظهر.
وأما دخولهم مكة يوم الفتح فلم يكونوا فيه محرمين.
قال مالك في"الموطأ"بعد أن ساق حديث قتل ابن خطل يومَ الفتح (ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ محرماً والله أعلم) .
و {محلقين رؤوسكم} حال من ضمير {آمنين} وعطف عليه {ومقصرين} والتحليق والتقصير كناية عن التمكن من إتمام الحج والعمرة وذلك من استمرار الأمن على أن هذه الحالة حكت ما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم في رؤياه ، أي يحلق من رام الحلق ويقصر من رام التقصير ، أي لا يعجلهم الخوف عن الحلق فيقتصروا على التقصير.