فالآية الكريمة تذكير من الله - تعالى - لعباده المؤمنين، بجانب من نعمه عليهم، ورحمته بهم. وهو تذكير يتعلق بأمور شاهدوها بأعينهم، وعاشوا أحداثها، وعند ما يأتى التذكير بالأمور المشاهدة المحسوسة، يكون أدعى إلى الشكر لله - عز وجل - .
ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمة أخرى من نعمه عليهم، وكشف لهم عن جانب من حكمته في منع القتال بينهم وبين مشركي مكة، وفي هدايتهم إلى هذا الصلح فقال:
[سورة الفتح (48) : الآيات 25 إلى 26]
(هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ...(25)
والمراد بالذين كفروا في قوله - تعالى -: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ مشركو قريش، الذين منعوا النبي صلّى الله عليه وسلّم من دخول مكة، ومن الطواف بالبيت الحرام.
والهدى: مصدر بمعنى المفعول، أي: المهدى، والمقصود به ما يهدى إلى بيت الله الحرام من الإبل والبقر والغنم، ليذبح تقربا إلى الله - تعالى - وكان مع المسلمين في رحلتهم هذه التي تم فيها صلح الحديبية سبعون بدنة - على المشهور - . ولفظ الهدى قرأه الجمهور بالنصب عطفا على الضمير المنصوب في قوله: صَدُّوكُمْ وقرأه أبو عمرو بالجر عطفا على المسجد ..
وقوله: مَعْكُوفاً أي: محبوسا. يقال: عكفه يعكفه عكفا، إذا حبسه ومنه الاعتكاف في المسجد، بمعنى الاحتباس فيه، وهو حال من الهدى.
وقوله: أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ منصوب بنزع الخافض، أي: عن أن يبلغ محله، أي: مكانه الذي يذبح فيه وهو منى.
والتعبير بقوله: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا .. تصريح بذمهم وتوبيخهم على موقفهم المشين من المؤمنين، الذين لم يأتوا إلى مكة لحرب، وإنما أتوا لأداء شعيرة من شعائر الله.
أي: هم في ميزان الله واعتباره الكافرون حقا. لأنهم صدوكم ومنعوكم - أيها المؤمنون - عن دخول المسجد الحرام، وعن الطواف به، ولم يكتفوا بذلك، بل منعوا الهدى المحبوس من أجل ذبحه على سبيل التقرب به إلى الله - تعالى - من الوصول إلى محله الذي يذبح فيه في العادة وهو منى.