وَحَقِيقَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْفَتْحَ - فِي اللُّغَةِ - فَتْحُ الْمُغْلَقِ، وَالصُّلْحُ الَّذِي حَصَلَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ بِالْحُدَيْبِيَةِ كَانَ مَسْدُودًا مُغْلَقًا حَتَّى فَتَحَهُ اللَّهُ، وَكَانَ مِنْ أَسْبَابِ فَتْحِهِ صَدُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ عَنِ الْبَيْتِ، وَكَانَ فِي الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ ضَيْمًا وَهَضْمًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَفِي الْبَاطِنِ عِزًّا وَفَتْحًا وَنَصْرًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْظُرُ إِلَى مَا وَرَاءَهُ مِنَ الْفَتْحِ الْعَظِيمِ وَالْعِزِّ وَالنَّصْرِ مِنْ وَرَاءِ سِتْرٍ رَقِيقٍ، وَكَانَ يُعْطِي الْمُشْرِكِينَ كُلَّ مَا سَأَلُوهُ مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي لَمْ يَحْتَمِلْهَا أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ وَرُءُوسُهُمْ، وَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْلَمُ مَا فِي ضِمْنِ هَذَا الْمَكْرُوهِ مِنْ مَحْبُوبٍ {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [الْبَقَرَةُ 216] .
وَرُبَّمَا كَانَ مَكْرُوهُ النُّفُوسِ إِلَى ... مَحْبُوبِهَا سَبَبًا مَا مِثْلُهُ سَبَبُ
فَكَانَ يَدْخُلُ عَلَى تِلْكَ الشُّرُوطِ دُخُولَ وَاثِقٍ بِنَصْرِ اللَّهِ لَهُ وَتَأْيِيدِهِ، وَأَنَّ الْعَاقِبَةَ لَهُ، وَأَنَّ تِلْكَ الشُّرُوطَ وَاحْتِمَالَهَا هُوَ عَيْنُ النُّصْرَةِ، وَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ الْجُنْدِ الَّذِي أَقَامَهُ الْمُشْتَرِطُونَ وَنَصَبُوهُ لِحَرْبِهِمْ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، فَذَلُّوا مِنْ حَيْثُ طَلَبُوا الْعِزَّ، وَقُهِرُوا مِنْ حَيْثُ أَظْهَرُوا الْقُدْرَةَ وَالْفَخْرَ وَالْغَلَبَةَ، وَعَزَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَسَاكِرُ الْإِسْلَامِ مِنْ حَيْثُ انْكَسَرُوا لِلَّهِ وَاحْتَمَلُوا الضَّيْمَ لَهُ وَفِيهِ، فَدَارَ الدَّوْرُ وَانْعَكَسَ الْأَمْرُ وَانْقَلَبَ الْعِزُّ بِالْبَاطِلِ ذُلًّا بِحَقٍّ، وَانْقَلَبَتِ الْكَسْرَةُ لِلَّهِ عِزًّا بِاللَّهِ، وَظَهَرَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ وَآيَاتُهُ وَتَصْدِيقُ وَعْدِهِ وَنُصْرَةُ رَسُولِهِ عَلَى أَتَمِّ الْوُجُوهِ وَأَكْمَلِهَا الَّتِي لَا اقْتِرَاحَ لِلْعُقُولِ وَرَاءَهَا.