واعلم: أن نعمة الله تعالى، وإن كانت في الدنيا عظيمة، إلا أنها بالنسبة إلى سعادات الآخرة، كالقطرة بالنسبة إلى البحر، فلذلك سمي الإنعام بها إذاقة فالإنسان إذا حصل له هذا القدر الحقير في الدنيا فرح به، ووقع في العجب والكبر، وظن أنه فاز بكل المنى، ودخل في قصر السعادات، ولذا ضعف اعتقاده في سعادات الآخرة، وإلا لاختار الباقي على الفاني؛ لأن الفاني كالخزف مع أنه قليل، والباقي كالذهب مع أنه كثير.
49 -ثم ذكر سبحانه سعة ملكه ونفاذ تصرفه، فقال: {لِلَّهِ} سبحانه وتعالى لا لغيره {مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ؛ أي: له التصرف فيهما بما يريد، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع؛ أي: يختص به سبحانه ملك العالم كله، لا يقدر أن يملكه أحد سواه، فله التصرف فيه، وقسمة النعمة والبلية على أهله، وليس عليهم إلا الشكر في النعمة، والصبر في البلية، والرضى والتسليم للأحكام الأزلية.
والمعنى: أي إنه تعالى خالق السماوات والأرض، ومالكهما، والمتصرف فيهما، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وهو يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} مما يعلمونه، ومما لا يعلمونه على أي صورة شاء {يَهَبُ} سبحانه وتعالى {لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا} لا ذكور معهن مثل ما وهب لشعيب ولوط عليهما السلام، والهبة: أن تجعل ملكك لغيرك بغير عوض، والوهاب هو الله سبحانه وتعالى؛ لأنه يعطي كلًّا على قدر استحقاقه ولا يريد عوضًا، والجملة بدل من يخلق بدل البعض، وإنما قدم الإناث على الذكور مع شرفهم؛ لأنها أكثر لتكثير النسل، أو لتطييب قلوب آبائهن، إذ في التقديم تشريف لهن، وإيناس بهن، ولذلك جعلن من مواهب الله تعالى مع ذكر اللام الانتفاعية أو لرعاية الترتيب الواقع أولًا في الهبة بنوع الإنسان، فإنه تعالى وهب لآدم أولًا زوجته حواء عليهما السلام، بأن ولَّدها منه، وخلقها من قصيراه، وهي أسفل الأضلاع، أو آخر ضلع في الجنب، كما في"القاموس".