في الآية الأولى وجه الخطاب للسامعين بصيغة الجمع المخاطب فهتفت بهم حاثة على الاستجابة إلى دعوة الله والارعواء عما هم فيه من انحراف عن طريق الحق قبل أن يأتي اليوم الذي لا راد له ولا مفلت من الله فيه والذي لن يكون لأحد فيه ملجأ ولا نصير من دون الله. وفي الثانية وجه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم على طريقة الانتقال والالتفات فنبهته إلى أن الله تعالى لم يجعله رقيبا على الناس ومَسْئُولا عنهم وضامنا لاستجابتهم إذا هم ظلوا على ضلالهم وإعراضهم عن الدعوة وأنه ليس عليه إلا الإنذار والبلاغ. واحتوت الآية بعد ذلك تعقيبا تقريعيا للإنسان أو للجنس الإنساني بصورة عامة، فهو إذا منحه الله نعمة بطر وفرح واغترّ ونسي الله تعالى، وإذا أصابته سيئة بسبب آثامه وأخطائه يئس وكفر.
والآيتان جاءتا على ما هو المتبادر معقبتين على الآيات السابقة لها، والاتصال بين السياق قائم والحالة هذه.
والآية الأولى وإن كانت موجهة للسامعين إطلاقا فإن روح الآية الثانية
وفحواها يلهمان أن الخطاب فيها موجه للكفار وأنها بسبيل حثهم على الانتهاء من موقف الجحود والمكابرة قبل فوات الوقت والندم على ذلك. كذلك الأمر بالنسبة للتقريع الذي احتوته الآية الثانية والمقصود به في الدرجة الأولى كما هو المتبادر هم الجاحدون الظالمون. ويلحظ أن ما احتوته الآية الثانية قد احتوت مثله إحدى الآيات الأخيرة من السورة السابقة وقد وجه التقريع فيها للكافرين.
[سورة الشورى (42) : الآيات 49 إلى 50]
(لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ(49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50)
. (1) يزوجهم: هنا بمعنى ينوعهم ويجعلهم أصنافا خليطا من ذكور وإناث.
في الآيتين تنويه بشمول ملك الله وقدرته ومشيئته: فكل ما في السموات والأرض ملك له. وبيده خلق كل شيء وعلى الوجه الذي تتعلق به إرادته ومشيئته.