فَهَذَا كُلُّهُ شُرِعَ دِينًا وَاحِدًا وَمِلَّةً مُتَّحِدَةً لَمْ يَخْتَلِفْ عَلَى أَلْسِنَةِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَعْدَادُهُمْ ، وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} أَيْ اجْعَلُوهُ قَائِمًا ، يُرِيدُ دَائِمًا مُسْتَمِرًّا ، مَحْفُوظًا مُسْتَقِرًّا ، مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ فِيهِ ، وَلَا اضْطِرَابٍ عَلَيْهِ.
فَمِنْ الْخَلْقِ مَنْ وَفَى بِذَلِكَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَكَثَ بِهِ ، وَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ.
وَاخْتَلَفَتْ الشَّرَائِعُ وَرَاءَ هَذَا فِي مَعَانٍ حَسْبَمَا أَرَادَهُ اللَّهُ ، مِمَّا اقْتَضَتْهُ الْمَصْلَحَةُ ، وَأَوْجَبَتْ الْحِكْمَةُ وَضْعَهُ فِي الْأَزْمِنَةِ عَلَى الْأُمَمِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} .
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي سُورَةٍ سُبْحَانَ وَغَيْرِهَا بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ ، وَقَوْلُهُ هَاهُنَا: {وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} يُبْطِلُ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ: إنَّهُ مَنْ تَوَضَّأَ تَبَرُّدًا إنَّهُ يُجْزِئْهُ عَنْ فَرِيضَةِ الْوُضُوءِ الْمُوَظَّفَةِ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ فَرِيضَةَ الْوُضُوءِ الْمُوَظَّفَةَ عَلَيْهِ مِنْ حَرْثِ الْآخِرَةِ ، وَالتَّبَرُّدَ مِنْ حَرْثِ الدُّنْيَا ؛ فَلَا يَدْخُلُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ ، وَلَا تُجْزِئُ نِيَّتُهُ عَنْهُ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ ؛ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ.