الثَّالِثُ: أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي طَالِبِ حَرْثِ الْآخِرَةِ (نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ) وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ تَعَالَى يُعْطِيهِ الدُّنْيَا أَمْ لَا، بَلْ بَقِيَ الْكَلَامُ سَاكِتًا عَنْهُ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، وَأَمَّا طَالِبُ حَرْثِ الدُّنْيَا فَإِنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ أَنَّهُ لَا يُعْطِيهِ شَيْئًا مِنْ نَصِيبِ الْآخِرَةِ عَلَى التَّنْصِيصِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى التَّفَاوُتِ الْعَظِيمِ كَأَنَّهُ يَقُولُ الْآخِرَةُ أَصْلٌ وَالدُّنْيَا تَبَعٌ، فَوَاجِدُ الْأَصْلِ يَكُونُ وَاجِدًا لِلتَّبَعِ بِقَدَرِ الْحَاجَةِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الدُّنْيَا أَخَسُّ مِنْ أَنْ يَقْرِنَ ذِكْرَهَا بِذِكْرِ الْآخِرَةِ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ أَنَّ طَالِبَ الْآخِرَةِ يُزَادُ فِي مَطْلُوبِهِ، وَبَيَّنَ أَنَّ طَالِبَ الدُّنْيَا يُعْطَى بَعْضَ مَطْلُوبِهِ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَإِنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ نُصِيبٌ ألْبَتَّةَ، فَبَيَّنَ بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ أَنَّ طَالِبَ الْآخِرَةِ يَكُونُ حَالُهُ أَبَدًا فِي التَّرَقِّي وَالتَّزَايُدِ وَبَيَّنَ بِالْكَلَامِ الثَّانِي أَنَّ طَالِبَ الدُّنْيَا يَكُونُ حَالُهُ فِي الْمَقَامِ الْأَوَّلِ فِي النُّقْصَانِ وَفِي الْمَقَامِ الثَّانِي فِي الْبُطْلَانِ التَّامِّ الْخَامِسُ: أَنَّ الْآخِرَةَ
نَسِيئَةٌ وَالدُّنْيَا نَقْدٌ وَالنَّسِيئَةُ مَرْجُوحَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّقْدِ، لِأَنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ النَّقْدُ خَيْرٌ مِنَ النَّسِيئَةِ فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ هَذِهِ الْقَضِيَّةَ انْعَكَسَتْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَحْوَالِ الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا، فَالْآخِرَةُ وَإِنْ كانت نقدا إِلَّا أَنَّهَا مُتَوَجِّهَةٌ لِلزِّيَادَةِ وَالدَّوَامِ فَكَانَتْ أَفْضَلَ وَأَكْمَلَ، وَالدُّنْيَا وَإِنْ كَانَتْ نَقْدًا إِلَّا أَنَّهَا مُتَوَجِّهَةٌ إِلَى النُّقْصَانِ ثُمَّ إِلَى الْبُطْلَانِ فَكَانَتْ أَخَسَّ وَأَرْذَلَ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَالَ الْآخِرَةِ لَا يُنَاسِبُ حَالَ الدُّنْيَا ألْبَتَّةَ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَحْوَالِ الْآخِرَةِ إِلَّا مُجَرَّدُ الِاسْمِ كَمَا هُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.