قال:"فعلَى ما تقرَّر لا يكونُ المحذوفُ ما قدَّره الزمخشريُّ ، وإنما التقديرُ: لو شاء ربُّنا إنزالَ ملائكةٍ بالرسالةِ منه إلى الإِنسِ لأَنْزَلهم بها إليهم ، وهذا أَبْلَغُ في الامتناع من إرسالِ البشرِ ، إذ عَلَّقوا ذلك بإنزال الملائكة ، وهو لم يَشَأْ ذلك فكيف يشاء ذلك في البشر؟"قلت: وتقديرُ أبي القاسم أوقَعُ معنىً وأخلصُ من إيقاع الظاهرِ موقعَ المضمرِ ؛ إذ يَصيرُ التقديرُ: لو شاءَ إنزالَ ملائكةٍ لأنزلَ ملائكةً .
قوله: {بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ} هذا خطابٌ لهودٍ وصالحٍ وغيرِهم مِن الأنبياءِ عليهم السلام ، وغَلَّب المخاطبَ على الغائبِ نحو:"أنت وزيدٌ تقومان". و"ما"يجوزُ أَنْ تكونَ موصولةً بمعنى الذي وعائدُها به ، وأنْ تكونَ مصدريةً أي: بإرسالِكم ، فعلى هذا يكون"به" [يعودُ] على ذلك المصدرِ المؤولِ ، ويكون من بابِ التأكيد كأنه قيل: كافرون بإرسالِكم به .
فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (16)
قوله: {صَرْصَراً} : الصَّرْصَرُ: الريحُ الشديدة فقيل: هي الباردةُ مِن الصِّرِّ ، وهو البردُ . وقيل: هي الشديدةُ السَّمومِ . وقيل هي المُصَوِّتَةُ ، مِنْ صَرَّ البابُ أي: سُمِع صريرُه . والصَّرَّة: الصَّيْحَةُ . ومنه: {فَأَقْبَلَتِ امرأته فِي صَرَّةٍ} [الذاريات: 29] . قال ابن قتيبة:"صَرْصَر: يجوزُ أَنْ يكونَ من الصِّرِّ وهو البردُ ، وأَنْ يكونَ مِنْ صَرَّ البابُ ، وأَنْ تكونَ من الصَّرَّة ، وهي الصيحةُ ، ومنه: {فَأَقْبَلَتِ امرأته فِي صَرَّةٍ} [الذاريات: 29] . وقال الراغب:"صَرْصَر لفظة من الصِّرِّ ، وذلك يرجِعُ إلى الشَّدِّ لِما في البرودة من التعقُّدِ"."