وقرأ الجمهور: {بِنُصْبٍ} بضم النون وسكون الصاد، قيل: جمع نصب كوثن ووثن، وأسد وأسد. وقيل: هو لغة في النصب نحو: رشد ورشد، وقرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع، وشيبة، ونافع في رواية عنه، وأبو عمارة في حفص، والجعفي، وأبو معاذ عن نافع بضمتين، ورويت هذه القراءة عن الحسن. وقرأ زيد بن علي، والحسن في رواية، والسدي، وابن أبي عبلة، ويعقوب، والجحدري بفتحتين، وقرأ أبو حيوة، ويعقوب في رواية، وهبيرة عن حفص بفتح النون وسكون الصاد، وهذه القراءات كلها بمعنى واحد، وإنما اختلفت القراءات باختلاف اللغات، وقال أبو عبيدة: إن النَّصَبَ - بفتحتين -: التعب والإعياء.
وعلى بقية القراءات: الشر والبلاء.
ومعنى قوله: {وَعَذابٍ} ؛ أي: ألم. قال قتادة، ومقاتل: النصب في الجسد والعذاب في المال، قال النحاس: وفيه بعد كذا قال. والأولى تفسير النصب بالمعنى اللغوي، وهو التعب والإعياء، وتفسير العذاب بما يصدق عليه مسمى العذاب، وهو الألم، وكلاهما راجع إلى البدن.
وليس هذا المذكور هنا تمام دعائه عليه السلام، بل من جملته قوله: {وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} ، فاكتفي هاهنا عن ذكره، بما في سورة الأنبياء، كما ترك هناك ذكر الشيطان، ثقة بما ذكره هنا،
فَإِنْ قُلْتَ: لا قدرة للشيطان ألبتة على إيقاع الناس في الأمراض، والأسقام، لأنه لو قدر على ذلك لسعى في إهلاك الأنبياء، والأولياء، والعلماء، والصالحين، فهو لا يقدر أن يضر أحدًا إلا بطريق إلقاء الوساوس والخواطر الفاسدة، فما معنى إسناد المس إليه؟
قلت: إن الذي أصابه، لم يصبه إلا من الله تعالى، إلا أنه أسنده إلى الشيطان، لسؤال الشيطان منه تعالى، أن يمسه الله تعالى بذلك الضر، امتحانا لصبره، ففي إسناده إليه دون الله تعالى، مراعاة للأدب كما مر آنفًا.
وقيل: إنه لما عمل بوسوسته، عوقب على ذلك بذلك النصب والعذاب، فنسبه إليه، فقد قيل: إنه أعجب بكثرة ماله، وقيل: استغاثه مظلوم فلم يغثه.
وقيل: إنه قال ذلك؛ لأن الشيطان وسوس إلى أتباعه، فرفضوه، وأخرجوه من ديارهم.
وقيل المراد به: ما كان يوسوسه الشيطان إليه حال مرضه وابتلائه، من تحسين الجزع، وعدم الصبر على المصيبة، وقيل غير ذلك. والله أعلم.