بين - سبحانه - إنابة سليمان ورجوعه إلى ربه بقوله: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} دعا سليمان ربه أن يغفر له ويصفح عنه ولا يعاقبه أو يحاسبه على ما بدر منه من ترك ما هو أولى به أن يفعله، وقدم - عليه السلام - الاستغفار - وإن كان مقصودًا لذاته - ليكون وسيلة إلى طلب الملك، فمن كمال العبودية أن يقدم الإنسان الاعتراف بالذنب والاستغفار منه ليمحى أثره ويكون دعاؤه أرجى للقبول، ثم طلب - عليه السلام - من ربه أن يمنحه ملكا عظيما لا يدانيه ملك أحد غيره، ولا يسلب منه ويعطى لسواه، وقد طلب سليمان ذلك عن ربه واستوهبه إياه، لتكون استجابة الله له أمارة على قبول إنابته وعلامة على غفران الله ما تركه من النطق بقوله: إن شاءَ الله عندما أحب أن تأتى نساؤه بفرسان يجاهدون في سبيل الله كما مر بيانه.
وقيل: إن سليمان عليه السلام - لم يطلب من ربه هذا الطلب إلا بعد أن أمره الله بطلبه لأنه - سبحانه - علم أنه لا يستطيع أن يضطلع بهذا الملك ويقوم على تصريف
أمره وسياسته وتدبير شأنه أحد غير سليمان، فكان أن امتثل سليمان وطلبه من ربه فاستجاب له ومنحه إياه.
وجاء قوله - تعالى: {إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} اعترافا مؤكدا من سليمان بأن الله - جل علاه - هو وحده صاحب العطاء الواسع الكثير وليس ذلك لأحد سواه.
{فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ}
المفردات:
{فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ} : فذللناها ويسرناها له.
{رُخَاءً} : لينَة طيبة لا تتزعزع ولا تضطرب، وقيل: طيعة له لا تمتنع عليه.
{حَيْثُ أَصَابَ} : حيث قصد وأراد.
{الْأَصْفَادِ} : جمع صفد، وهو ما يُوثق به الأسير من قيد أو غل.
{مُقَرَّنِينَ} : مجموعين في قيد واحد يضمهم.
{فَامْنُنْ} : فانعم على من شئت.
{أَمْسِكْ} : احبس وامنع من شئت.
التفسير