ثم جاء قوله - تعالى: {أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} انتقالا إلى ما هو أظهر وأوضح في استحالة التسوية بين الفريقين المذكورين، أي: بل أنجعل المتقين كأولئك الذين انبعثوا وانطلقوا في المعاصي لا يردهم وازع من نفوسهم ولا خوف من ربهم؟ أيسوى الله بينهم دون جزاء حسن لمن اتقى، وعذاب مقيم لمن كفر وفجر، إن التسوية بين الفريقين أمر تأْباه الحكمة وينافى العدل. {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} .
29 - {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} :
أي: هذا القرآن الكريم كتاب أنزلناه إليك كثير الخير عظيم المنافع الدينية
والدنيوية لا تنفك عنه البركة ولا يزايله الخير، أنزلناه إليك ليتفكر هؤُلاء وغيرهم في آياته، وما تشتمل عليه من أمر ونهي، وإرشاد وهداية، وقصص حق، ووعد ووعيد إنهم لو تدبروا لوقفوا على ما فيها من المعاني الفائقة، والتأويلات اللائقة، والدلالات الواضحة، ويتعظ ذوو العقول الزاكية الخالصة من شوائب الزيغ والضلال.
فلو تفكر هؤلاء وتذكروا أو استحضروا ما هو مغروس في فطرهم لعلموا أن البعث والحساب والجزاء حق، ولكنهم غفلوا وعموا وصموا.
وفي الآية تعريض بأن هؤلاء الكفرة ليسوا من أهل التدبير ولا من أهل العقول.
{وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ}
المفرادات:
{وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ} : أعطيناه ومنحناه إياه.
{نِعْمَ الْعَبْدُ} : كلمة {نِعْمَ} تدل على المدح والثناء.
{أَوَّابٌ} : رجَّاع، أي: كثير الرجوج بالتوبة إلى الله، أو كثير الرجوع إلى تسبيح الله.
{بِالْعَشِيِّ} العشي: من زوال الشمس عن كبد السماء إلى آخر النهار، وقيل إلى آخر الليل.