وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ {فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِذَلِكَ فَأَعْطِ مَنْ شِئْتَ مَا شِئْتَ مِنَ الْمُلْكِ الَّذِي آتَيْنَاكَ، وَامْنَعْ مَنْ شِئْتَ مِنْهُ مَا شِئْتَ، لَا حِسَابَ عَلَيْكَ فِي ذَلِكَ.
عَنِ الضَّحَّاكِ،"سَأَلَ مُلْكًا هَنِيئًا لَا يُحَاسَبُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ: مَا أَعْطَيْتَ، وَمَا أَمْسَكْتَ، فَلَا حَرَجَ عَلَيْكَ"
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: أَعْتِقْ مِنْ هَؤُلَاءِ الشَّيَاطِينِ الَّذِينَ سَخَّرْنَاهُمْ لَكَ مِنَ الْخِدْمَةِ، أَوْ مِنَ الْوَثَاقِ مِمَّنْ كَانَ مِنْهُمْ مُقَرَّنًا فِي الْأَصْفَادِ مَنْ شِئْتَ وَاحْبِسْ مَنْ شِئْتَ فَلَا حَرَجَ عَلَيْكَ فِي ذَلِكَ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: هَذَا الَّذِي أَعْطَيْنَاكَ مِنَ الْقُوَّةِ عَلَى الْجِمَاعِ عَطَاؤُنَا، فَجَامِعْ مَنْ شِئْتَ مِنْ نِسَائِكَ وَجَوَارِيكَ مَا شِئْتَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَاتْرُكْ جِمَاعَ مَنْ شِئْتَ مِنْهُنَّ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ مِنَ الْمُقَدَّمِ وَالْمُؤَخَّرِ وَمَعْنَى الْكَلَامِ: هَذَا عَطَاؤُنَا بِغَيْرِ حِسَابٍ، فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ وَذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: «هَذَا فَامْنُنْ أَوِ أَمْسِكْ عَطَاؤُنَا بِغَيْرِ حِسَابٍ»
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: {بِغَيْرِ حِسَابٍ} وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: بِغَيْرِ جَزَاءٍ وَلَا ثَوَابٍ. وَالْآخَرُ: مِنَّةٍ وَلَا قِلَّةٍ
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرْتُهُ عَنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ مِنْ أَنَّ مَعْنَاهُ: لَا يُحَاسَبُ عَلَى مَا أُعْطِيَ مِنْ ذَلِكَ الْمُلْكِ وَالسُّلْطَانِ وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ هُوَ الصَّوَابُ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَيْهِ.