قَوْلُهُ: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ سُلَيْمَانُ رَاغِبًا إِلَى رَبِّهِ: رَبِّ اسْتُرْ عَلَيَّ ذَنْبِيَ الَّذِي أَذْنَبْتُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، فَلَا تُعَاقِبْنِي بِهِ {وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} لَا يَسْلِبْنِيهِ أَحَدٌ كَمَا سَلَبَنِيهِ قَبْلَ هَذِهِ الشَّيْطَانُ.
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يُوَجِّهُ مَعْنَى قَوْلِهِ: {لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} إِلَى: أَنْ لَا يَكُونَ لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي، كَمَا قَالَ ابْنُ أَحْمَرَ:
[البحر البسيط]
مَا أُمُّ غُفْرٍ عَلَى دَعْجَاءَ ذِي عَلَقٍ ... يَنْفِي الْقَرَامِيدَ عَنْهَا الْأَعْصَمُ الْوَقِلُ
فِي رَأْسِ حَلْقَاءَ مِنْ عَنْقَاءَ مُشْرِفَةٌ ... لَا يَنْبَغِي دُونَهَا سَهْلٌ وَلَا جَبَلُ
بِمَعْنَى: لَا يَكُونُ فَوْقَهَا سَهْلٌ وَلَا جَبَلٌ أُحْصَنُ مِنْهَا
وَقَوْلُهُ: {إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ}
يَقُولُ: إِنَّكَ وَهَّابٌ مَا تَشَاءُ لِمَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ خَزَائِنُ كُلِّ شَيْءٍ تَفْتَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَرَدْتَ لِمَنْ أَرَدْتَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَاسْتَجَبْنَا لَهُ دُعَاءَهُ، فَأَعْطَيْنَاهُ مَلَكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ} مَكَانَ الْخَيْلِ الَّتِي شَغَلَتْهُ عَنِ الصَّلَاةِ
{تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً}
يَعْنِي: رَخْوَةً لَيِّنَةً، وَهِيَ مِنَ الرَّخَاوَةِ.
عَنِ الْحَسَنِ"أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ سُلَيْمَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا عُرِضَتْ عَلَيْهِ الْخَيْلُ، فَشَغَلَهُ النَّظَرُ إِلَيْهَا عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ {حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} فَغَضِبَ لِلَّهِ، فَأَمَرَ بِهَا فَعُقِرَتْ، فَأَبْدَلَهُ اللَّهُ مَكَانَهَا أَسْرَعَ مِنْهَا، سَخَّرَ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ شَاءَ، فَكَانَ يَغْدُو مِنْ إِيلِيَاءَ، وَيَقِيلُ بِقَزْوِينَ، ثُمَّ يَرُوحُ مِنْ قَزْوِينَ وَيَبِيتُ بِكَابُلَ" [1]
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الرَّخَاءِ، فَقَالَ فِيهِ بَعْضُهُمْ نَحْوَ الَّذِي قُلْنَا فِيهِ
عَنْ قَتَادَةَ، {رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ} قَالَ:"سَرِيعَةً طَيِّبَةً، قَالَ: لَيْسَتْ بِعَاصِفَةٍ وَلَا بَطِيئَةٍ"
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: مُطِيعَةٌ لِسُلَيْمَانَ
وَقَوْلُهُ: {حَيْثُ أَصَابَ}
يَقُولُ: حَيْثُ أَرَادَ، مِنْ قَوْلِهِمْ: أَصَابَ اللَّهُ بِكَ خَيْرًا: أَيْ أَرَادَ اللَّهُ بِكَ خَيْرًا.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {حَيْثُ أَصَابَ} يَقُولُ: «حَيْثُ أَرَادَ انْتَهَى عَلَيْهَا»
[1] يقول ابن القماش:
يفتقر إلى سند صحيح، فإن صح به خبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلنا به، وإلا فالأَولى التوقف عند خبر القرآن، والله أعلم.