قوله تعالى: (ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا) .
احتج بها الآمدي على العنبري القائل بأن الكافر غير المعاند لا يخلد في النار، بخلاف المعاند فإنهم اتفقوا على أنه مخلد في نار جهنم.
والعجب من البيضاوي كيف لم يذكر غير مذهب باطل؟
ونقل نحوه عياض في الشفاء عن الغزالي، قلنا: قاله الغزالي في كتاب التفرقة بين الإيمان والزندقة، وفي كتاب الحقائق.
قال ابن عرفة: وكلامه في كتاب الاعتقاد، كمذهب أهل السنة.
قوله تعالى: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ ... (28) }
عبر عن المؤمنين بالفعل، وعن المفسدين بالاسم؛ إشارة إلى من اتصف بمطلق الإيمان والعمل الصالح؛ مخالف لما اتصف بأبلغ الفساد، فأحرى أن مخالفة من اتصف بأبلغ العمل الصالح هذا في ظرف الإيمان، ويبقى من اتصف بمطلق الفساد في الأرض، فيجاب عنه: بأن المراد من ثبت على فساده؛ لئلا يدخل فيه من أفسد وتاب؛ فإنه من قسم من آمن.
فإن قلت: لم قدم تفاوت المؤمن للمفسد، وهلا عكس، كما قيل (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ) لأن أسباب الفساد أكثر من أسباب الصلاح، بدليل ما تقدم في قوله تعالى: (وَجَعَلَ الظلُمَاتِ وَالنورَ) ، قالوا: جمع الظلمات وأفرد النور؛ لكثرة تشعب طرق الشرك واتحاد الهدى، ونفي ما يتوهم ثبوته أو قرب ثبوته أولى، فالجواب: أنه بدأ بالمؤمنين اعتناء بهم وتشريفا لهم.
قوله تعالى: (أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) .
إن قلت: لم عبر في (الْمُتقِينَ) بالاسم، وعبر في قوله تعالى: (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) ، بالفعل؟ قلت: لأن التقوى أمر اعتقادي تجدده خفي غير ظاهر، وهو أقرب للثبوت؛ فاللزوم والعمل الصالح أمر فعلي يتجدد شيئا فشيئا، وتجدده ظاهر يدرك بالحس.
فإِن قلت: هلا قيل: أم نجعل المتقين في الأرض كالفجار؟ قلنا: التقوى أمر علمي معنوي غير مرئي بالحس، والعمل الصالح أمر فعلي محسوس فناسب ذكر محله، ولذلك قالوا: الإنسان له قوتان: علمية وعملية.
قوله تبارك وتعالى (لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ ...(29)