{وَعَجِبُوا أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌا مِّنْهُمْ}
أي: عجب كفار أهل مكة من أن جاءهم منذر ينذرهم النار ؛ أي: رسول من جنسهم بل أدون منهم في الرياسة الدنيوية والمال على معنى أنهم عدوا ذلك خارجاً عن احتمال الوقوع وأنكروه أشد الإنكار لا أنهم اعتقدوا وقوعه ، وتعجبوا منه ، وقالوا: إن محمداً مساوٍ لنا في الخلقة الظاهرة والأخلاق الباطنة والنسب والشكل والصورة ، فكيف يعقل أن يختص من بيننا بهذا المنصب العالي ولم يتعجبوا من أن تكون المنحوتات آلهة ، وهذه مناقضة ظاهرة ، فلما تحيروا في شأن النبي عليه السلام نسبوه إلى السحر والكذب كما قال حكاية.
{وَقَالَ الْكَافِرُونَ} : وضع فيه الظاهر موضع المضمر غضباً عليهم وإيذاناً بأنه لا يتجاسر على مثل ما يقولونه إلا المتوغلون في الكفر والفسوق {هَذَآ سَاحِرٌ} فيما يظهره من الخوارق {كَذَّابٌ} فيما يسنده إلى الله من الإرسال والإنزال لم يقل كاذب لرعاية الفواصل ، ولأن الكذب على الله ليس كالكذب على غيره ولكثرة الكذب في زعمهم ، فإنه يتعلق بكل آية من الآيات القرآنية بخلاف إظهار الخوارق فإنه قليل بالنسبة إليه.
هكذا لاح لي هذا المقام.
وفي"التأويلات النجمية": لما كانوا منحرفي مزاج القلوب لمرض نسيان الحق جاءت النبوة على مذاق عقولهم المتغيرة سحراً والصدّيق كذاباً.