وقوله: {ذِي الذِّكْرِ} أكثر المفسرين قالوا: معناه ذي الشرف. وهو قول سعيد بن جبير وأبي حصين وإسماعيل بن أبي خالد وابن عباس في رواية سعيد. والذكر يكون بمعنى الشرف كقوله: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} [الزخرف: 44] ، وكقوله: {لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ} [الأنبياء: 10] .
قال مقاتل: ذي البيان. ويكون المعنى على هذا: وأنه ذكر فيه أقاصيص الأولين والآخرين، وما يحتاج إليه في الحلال والحرام.
وروي عن الضحاك وقتادة: ذي الموعظة والتذكير.
واختلفوا في جواب القسم: فحكى النسائي والفراء والزجاج: أن جواب القسم قوله: {إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ} . قال الكسائي: ولا أراه شيئًا، فاستبعده.
وقال الفراء: (هذا قد تأخر عن قوله: {وَالْقُرْآنِ} تأخرًا كثيرًا وجرت بينهما قصص مختلفة، فلا يعد ذلك مستقيمًا في العربية) .
وحكى هؤلاء أيضًا قولاً آخر في جواب القسم، وهو أن يكون قوله: {كَمْ أَهْلَكْنَا} واعترض بين القسم وجوابه: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا} ومعناه: لكم أهلكنا، فلما طال الكلام المعترض بينهما حذفت اللام.
وحكى الأخفش فقال: يزعمون أن موضع القسم في قوله: {إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ} . وقال النحاس: وهذا كالأول في الاستبعاد.
وذكر صاحب النظم هذا القول فقال: لما قال: {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} اعترض خبر آخر سواه، وهو قوله: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا} فمرَّ فيه إلى قوله: {أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ} ثم قال: {إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ} فكان هذا جوابًا للقسم، ومعنى {إِنْ كُلٌّ} : ما كل، كما يقال في الكلام: والله ما هذا إلا كافر. وما اعترض بين قوله: {ص وَالْقُرْآنِ} إلى قوله: {إِنْ كُلٌّ} قصة واحدة، وهذا الجواب قد يتصل بها وينتظم معها، فيكون جوابًا للقصة المعترضة للقسم انتهى كلامه.