{وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ} أي: بمحمد صلّى الله عليه وسلم ، أو القرآن: {وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ} أي: ومن أين لهم تناول الإيمان وقد بعدوا عن محل قبوله منهم ، لأنهم صاروا إلى الدار الآخرة ، وهي دار الجزاء ، لا دار الابتلاء ، أو: لأنهم آمنوا بلسانهم ولم يدخل الإيمان قلوبهم ، أي: على تفسير: {إِذْ فَزِعُواْ} بظهور الحق عليهم في حياتهم ، منه . قال الزمخشري: التناوش والتناول ، أخوان ، إلا أن التناوش ، تناول سهلٍ لشيءٍ قريب, يقال: ناشه ينوشه ، وتناوشه القوم . ويقال تناوشوا في الحرب . ناش بعضهم بعضاً . وهذا تمثيل لطلبهم ما لا يكون ، وهو أن ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت ، كما ينفع المؤمنين إيمانهم في الدنيا ، مثلت حالهم بحال من يريد أن يتناول الشيء من غلوة ، كما يتناوله الآخر من قبس ذراع ، تناولاً سهلاً لا تعب فيه . انتهى . أي: ففيه استعارة تمثيلية ؛ شبه إيمانهم حيث لا يقبل ، بمن [في المطبوع: يمن] كان عنده شيء يمكن أخذه ، فلما بعد عنه فرسخاً ، مد يده لتناوله . وقوله:
{وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ} حال ، أو معطوف ، أو مستأنف . والأول أقرب {وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} أي: يرجمون بالظن فيتكلمون بما لم ينشأ عن تحقيق من أقوالهم الباطلة ؛ كقولهم: ساحر ، وشاعر ، ومجنون ، وما نحن بمبعوثين ، ونحو ذلك . فكله مقذوف من جهة بعيدة ، لا قرب لمصداقها بوجه ما .