{وقالوا} حين عاينوا العذاب في الدنيا والآخرة وقت البأس {آمَنَّا بِهِ وأنى} : من أين {لَهُمُ التناوش} تناول التوبة ونيل ما يتمنون؟ قال ابن عباس: يسألون الراد وليس يحين الرد، وقرأ أبو عمرو والأعمش وحمزة والكسائي وخلف: (التناؤش) : بالهمز والمد، وهو الإبطاء والبعد. يُقال: تناشيت الشيء أي أخذته من بعيد، والنيش الشيء البطيء.
قال الشاعر:
تمنى نئيشاً أن يكون أطاعني ... وقد حدثت بعد الأُمور أُمور
وقال آخر:
وجئت نئيشاً بعدها فاتك الخبر ... وقرأ الباقون: بغير همز، من التناول. يُقال: نشته نوشاً إذا تناولته.
قال الراجز:
فهي تنوش الحوض نوشاً من علا ... نوشاً به تقطع أجواز الفلا
وتناوش القوم في الحرب إذا تناول بعضهم بعضاً وتدانوا، واختار أبو عبيد: ترك الهمز؛ لأنّ معناه: التناول، وإذا همز كان معناه البعد. فكيف يقول: أنى لهم البعد {مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} : من الآخرة؟ فكيف يتناولون التوبة، وإنما يقبل التوبة في الدُّنيا وقد ذهبت الدُّنيا فصارت بعيدة من الآخرة؟
{وَقَدْ كَفَرُواْ بِهِ مِن قَبْلُ} ، أي من قبل نزول العذاب {وَيَقْذِفُونَ بالغيب مِن مَّكَانٍ بَعِيد} ، يعني يرمون محمداً صلى الله عليه وسلم بالظنون لا باليقين، وهو قولهم: إنه ساحر، بل شاعر، بل كاهن، هذا قول مجاهد، وقال قتادة: يعني يرجمون بالظن، يقولون: لا بعث ولا جنّة ولا نار.
{وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} ، يعني التوبة والإيمان والرجوع إلى الدُّنيا {كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم} أي أهل دينهم وموافقهم من الأُمم الماضية حين لم يقبل منهم الإيمان والتوبة في وقت البأس {إِنَّهُمْ كَانُواْ فِي شَكٍّ مَّرِيبٍ} . انتهى انتهى. {الكشف والبيان حـ 8 صـ 88 - 96}