قال الزمخشري: وهذا تكلم بالغيب والأمر الخفي ، لأنهم لم يشاهدوا منه سحراً ولا شعراً ولا كذباً ، وقد أتوا بهذا الغيب من جهة بعيدة من حاله ، لأن أبعد شيء مما جاء به الشعر والسحر ، وأبعد شيء من عادته التي عرفت بينهم وجربت الكذب والزور. انتهى.
وقيل: هو مستأنف ، أي يتلفظون بكلمة الإيمان حين لا ينفع نفسها إيمانها ، فمثلت حالهم في طلبهم تحصيل ما عطلوه من الإيمان في الدنيا بقولهم: آمنا في الآخرة ، وذلك مطلب مستبعد ممن يقذف شيئاً من مكان بعيد لا مجال للنظر في لحوقه ، حيث يريد أن يقع فيه لكونه غائباً عنه بعيداً.
والغيب: الشيء الغائب.
وقرأ مجاهد ، وأبو حيوة ، ومحبوب عن أبي عمرو: ويقذفون ، مبنياً للمفعول.
قال مجاهد: ويرجمهم بما يكرهون من السماء.
وقال أبو الفضل الرازي: يرمون بالغيب من حيث لا يعلمون ، ومعناه: يجازون بسوء أعمالهم ، ولا علم لهم بما أتاه ، إما في حال تعذر التوبة عند معاينة الموت ، وإما في الآخرة.
وقال الزمخشري: أي يأتيهم به ، يعني بالغيب ، شياطينهم ويلقنونهم إياهم.
وقيل: يرمون في النار ؛ وقيل: هو مثل ، لأن من ينادي من مكان بعيد لا يسمع ، أي هم لا يعقلون ولا يسمعون.
{وحيل بينهم} ، قال الحوفي: الظرف قائم مقام اسم ما لم يسم فاعله. انتهى.
ولو كان على ما ذكر ، لكان مرفوعاً بينهم ، كفراءة من قرأ: {لقد تقطع بينكم} في أحد المعنين ، لا يقال لما أضيف إلى مبني وهو الضمير بنى ، فهو في موضع رفع ، وإن كان مبنياً.
كما قال بعضهم في قوله: وإذ ما مثلهم ، يشير إلى أنه في موضع رفع لإضافته إلى الضمير ، وإن كان مفتوحاً ، لأنه قول فاسد.
يجوز أن تقول: مررت بغلامك ، وقام غلامك بالفتح ، وهذا لا يقوله أحد.
والبناء لأجل الإضافة إلى المبني ليس مطلقاً ، بل له مواضع أحكمت في النحو ، وما يقول قائل ذلك في قول الشاعر:
وقد حيل بين العير والنزوان ...