وقال: {وما صاحبكم بمجنون في السورة السابعة} [التكوير: 22] وذلك هو الذي استمرّوا عليه قال تعالى: {ثم تولّوا عنه وقالوا معلّم مجنون} [الدخان: 14] إذ دعوى الجنون أروج بين أهل مكة لأن الجنون يطرأ على الإِنسان دفعة فلم يجدوا تعلة أقرب للقبول من دعوى أنه اعتراه جنون كما قالت عاد لهود {إِن نقول إلاّ اعتراك بعض آلهتنا بسوء} [هود: 54] ، وقالت ثمود لصالح {قد كنت فينا مَرجُوًّا قبل هذا} [هود: 62] .
فبقيت دعواهم أنه ساحر وأنه كاهن وأنه شاعر وأنه كاذب (حاشاه) .
فأما السحر والكهانة فسهل نفيهما بنفي خصائصهما ؛ فأما انتفاء السحر فبيّن لأنه يحتاج إلى معالجة تعلّم ومزاولة طويلة والنبي صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم لا يَخفى عليهم أمره ، وأما الشعر فمسحته منفية عن القرآن كما قال الوليد بن المغيرة ، فلم يبق في كنانة مطاعنهم إلا زعمهم أنه كاذب على الله ، وهذا يزيفه قوله: {بصاحبكم} فإنهم عرفوه برجاحة العقل والصدق والأمانة في شبيبته وكهولته فكيف يصبح بعد ذلك كاذباً كما قال النضر بن الحارث: فلما رأيتم الشَيْب في صدغيه قلتُم شاعر وقلتم كاهن وقلتم مجنون ، ووالله ما هو بأولئكم.
وإذا كان لا يكذب على الناس فكيف يكذب على الله ، كما قال هرقل لأبي سفيان وقد سأله: هل جربتم عليه كذباً قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: لا.
قال: فقد علمت أنه لم يكن ليترك الكذب على الناس ويكذب على الله.
ومن أجل هذا التدرج الذي طُوي تحت جملة {ما بصاحبكم من جنة} أعقب ذلك بحصر أمره في النذراة بقرب عذاب واقع ، أي في النذارة والرسالة الصادقة.