وحرف {ثمّ} للتراخي في الرتبة لأن التفكر في أحوال النبي صلى الله عليه وسلم أهم في إصلاح حال المخاطبين المعرضين عن دعوته ، بخلاف القيام لله فإنهم لا يأبَوْنه.
والتفكر: تكلف الفكر وهو العلم ، وتقدم عند قوله تعالى: {أفلا تتفكرون} في الأنعام (50) .
وقوله: ما بصاحبكم من جنة نفي يُعلّق فعلَ {تتفكروا} عن العمل لأجل حرف النفي.
والمعنى: ثم تعلَموا نفي الجنون عن صاحبكم ، أي تعلموا مضمون هذا.
فجملة {ما بصاحبكم من جنة} معمولة ل {تتفكروا} .
ومن وقف على {تتفكروا} لم يتقن التفكر.
والمراد بالصاحب: المخالط مطلقاً بالموافقة وبالمخاصمة ، وهو كناية عن التبصر في خُلقه كقول الحجّاج في خطبته للخوارج"ألستُمْ أصحابي بالأهواز حين رمتم الغدْر واستبطنتم الكفر"يعني فلا تخفى عليّ مقاصدكم.
وتقدم في قوله تعالى: {أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنّة} في سورة الأعراف (184) .
والتعبير بصاحبكم إظهار في مقام الإِضمار لأن مقتضى الظاهر أن يقال: ما بي من جِنّة إذ الكلام جار على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم كما تقدم آنفاً.
وفائدته التنبيه على أن حاله معلوم لديهم لا يلتبس عليهم لشدة مخالطته بهم مخالطة لا تَذَر للجهالة مجالاً فهم عرفوه ونشأ بينهم حتى جاءهم بالحق فهذا كقوله: {فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون} [يونس: 16] .
والاقتصار في التفكر المطلوب على انتفاء الجِنة عن النبي صلى الله عليه وسلم هو أن أصل الكفر هو الطعن في نبوءته وهم لما طعنوا فيه قالوا: مجنون ، وقالوا: ساحر ، وقالوا: كاذب.
فابتدئ في إرجاعهم إلى الحق بنفي الجِنّة عنه حتى إذا أذعنوا إلى أنه من العقلاء انصرف النظر إلى أن مثل ما جاء به لا يأتي به إلا عاقل وهم إنما ابتدأوا اختلاقهم بأنه مجنون كما جاء في القرآن ، قال تعالى: {ما أنت بنعمة ربك بمجنون} [القلم: 2] في السورة الثانية نزولاً.