وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ: قُلْ لَهُمْ: إِنِّي لَمْ أَسْأَلْكُمْ عَلَى ذَلِكَ جُعْلًا فَتَتَّهِمُونِي، وَتَظُنُّوا أَنِّي إِنَّمَا دَعَوْتُكُمْ إِلَى اتِّبَاعِي لِمَالٍ آخُذُهُ مِنْكُمْ.
وَقَوْلُهُ: {إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ}
يَقُولُ: مَا ثَوَابِي عَلَى دُعَائِكُمْ إِلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ، وَتَبْلِيغِكُمْ رِسَالَتَهُ، إِلَّا عَلَى اللَّهِ
{وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}
يَقُولُ: وَاللَّهُ عَلَى حَقِيقَةِ مَا أَقُولُ لَكُمْ شَهِيدٌ يَشْهَدُ لِي بِهِ، وَعَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (48) قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (49) }
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {قُلْ} يَا مُحَمَّدُ لِمُشْرِكِي قَوْمِكَ {إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ} وَهُوَ الْوَحْيُ، يَقُولُ: يُنْزِلُهُ مِنَ السَّمَاءِ،
فَيَقْذِفُهُ إِلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {عَلَّامُ الْغُيُوبِ}
يَقُولُ: عَلَّامُ مَا يَغِيبُ عَنِ الْأَبْصَارِ، وَلَا مَظْهَرَ لَهَا، وَمَا لَمْ يَكُنْ مِمَّا هُوَ كَائِنٌ، وَذَلِكَ مِنْ صِفَةِ الرَّبِّ؛ غَيْرَ أَنَّهُ رُفِعَ لِمَجِيئِهِ بَعْدَ الْخَبَرِ، وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ إِذَا وَقَعَ النَّعْتُ بَعْدَ الْخَبَرِ، فِي أَنِ اتْبَعُوا النَّعْتَ أَعْرَابَ مَا فِي الْخَبَرِ، فَقَالُوا: إِنَّ أَبَاكَ يَقُومُ الْكَرِيمُ، فَرَفَعَ الْكَرِيمَ عَلَى مَا وَصَفْتُ، وَالنَّصْبُ فِيهِ جَائِزٌ، لِأَنَّهُ نَعْتٌ لِلْأَبٍ، فَيَتْبَعُ إِعْرَابَهُ {قُلْ جَاءَ الْحَقُّ}
يَقُولُ: قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: جَاءَ الْقُرْآنُ وَوَحْيُ اللَّهِ.
{وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ}
يَقُولُ: وَمَا يُنْشِئُ الْبَاطِلُ خَلْقًا؛ وَالْبَاطِلُ هُوَ فِيمَا فَسَّرَهُ أَهْلُ التَّأْوِيلِ: إِبْلِيسُ
{وَمَا يُعِيدُ}
يَقُولُ: وَلَا يُعِيدُهُ حَيًّا بَعْدَ فَنَائِهِ.