قال القرطبي: وقوله: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ هذا على وجه الإنصاف في الحجة، كما يقول القائل لغيره: أحدنا كاذب، وهو يعلم أنه صادق، وأن صاحبه كاذب، والمعنى: ما نحن وأنتم على أمر واحد، بل على أمرين متضادين، وأحد الفريقين مهتد وهو نحن، والآخر ضال وهو أنتم، فكذبهم بأحسن من تصريح التكذيب.
والمعنى: أنتم الضالون حين أشركتم بالله الذي يرزقكم من السماوات والأرض ... .
وقوله: أَوْ إِيَّاكُمْ معطوف على اسم إن، وخبرها هو المذكور. وحذف خبر الثاني للدلالة عليه.
أي: وإنا لعلى هدى أو في ضلال مبين، وإنكم لعلى هدى أو في ضلال مبين.
ثم أتبع - سبحانه - هذا الكرم الحكيم في الدعوة إلى الحق، بكلام لا يقل عنه حكمة وبلاغة فقال: قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ أي: وقل لهم للمرة الثالثة - أيها الرسول الكريم - أنتم - أيها المشركون - لا تسألون يوم القيامة عن إجرامنا في حق أنفسنا - إن كنا قد أجرمنا وأخطأنا في حقها - ، ونحن - أيضا - لا يسألنا الله - تعالى -
عن سبب بقائكم في الكفر وفي الأعمال السيئة، لأننا قد بلغناكم رسالة ربكم - عز وجل - ، ونصحناكم بالإقلاع عن الشرك والمعاصي.
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - ، وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ، أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ، وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ.
ثم أمره - سبحانه - أن يذكرهم بيوم القيامة وما فيه من حساب دقيق، فقال: قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ.
أي: وقل لهم - أيها الرسول الكريم - إن الله - تعالى - بقدرته سيجمعنا وإياكم يوم القيامة، ثم يحكم بيننا جميعا بحكمه العادل، وهو - سبحانه - الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ أي: الحاكم في كل أمر بالحكم الحق، المطلع على جميع أحوال عباده.
ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات بتوجيه رسوله صلى الله عليه وسلم إلى أن يقول لهم قولا يخرس به ألسنتهم، ويبطل حججهم فقال: قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ والرؤية هنا بصرية.