28 - {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ} ؛ أي: وما بعثناك يا محمد إلى قومك خاصة، بل ما أرسلناك {إِلَّا} بعثة، وإرسالة {كَافَّةً} ؛ أي: عامة شاملة {لِلنَّاسِ} محيطة بأحمرهم وأسودهم، وعربهم وعجمهم، من الكف بمعنى المنع؛ لأنها إذا عمتهم وشملتهم .. فقد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم، فانتصاب {كَافَّةً} على أنها صفة لمصدر محذوف، والتاء للتأنيث، والجار متعلق بها، ويجوز أن تكون حالًا من الكاف، والتاء للمبالغة كتاء علامة؛ أي: ما أرسلناك في حال من الأحوال إلا حال كونك جامعًا لهم في الإبلاغ؛ لأن الكف يلزم الجمع، قال الراغب: وما أرسلناك إلا كافًا لهم عن المعاصي، والتاء فيه للمبالغة، انتهى. ولا يجوز أن يكون حالًا من {النَّاسِ} ، لامتناع تقدم الحال على صاحبها المجرور عند الجمهور، كامتناع تقدم المجرور على الجار، وذهب أبو علي وابن كيسان وابن برهان وابن ملكون إلى جوازه، ومنه قول الشاعر:
إِذَا الْمَرْءُ أَعْيَتْهُ السِّيَادَةُ نَاشِئًا ... فَمَطْلَبُهَا كَهْلًا عَلَيْهِ عَسِيْرُ
وقول الآخر:
تَسَلَّيْتُ طُرًّا عَنْكُمُ بَعْدَ بَيْنِكُمْ ... بِذِكْرَاكُمُ حَتَّى كَأنَّكُمُ عِنْدِيْ
وقول الآخر:
غَافِلًا تَعْرِضُ الْمَنِيةُ لِلْمَرْءِ ... فَيُدْعَى وَلاَتَ حَيْنَ إِبَاءِ
وممن رجح كونها حالًا من المجرور بعدها: ابن عطية، وقال: قدمت للاهتمام والتقوى.
وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبيُّ يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة"متفق عليه.