ومن قال: إن الآية مخصوصة فيما كان قبل النهي ، أو هي مخصوصة في أن يدعو الإنسان الرجل إلى أب وهو عنده أبوه ، وليس هو كذلك ، لم يقف على"ومواليكم"لأن ما بعده متصل به ، ومن جعل {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ} عاماً في هذا وغيره جعله مستأنفاً ، حسن الوقف على {وَمَوَالِيكُمْ} ، ثم استأنف ما بعده لأنه عام.
فإذا جعلت (ما) في موضع خفض لم تقف على {فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ} [لأن ما بعده معطوف عليه.
فإن جعلت (ما) في موضع رفع على ما تقدم وقفت على"أخطأتم به"].
ثم تستأنف: {ولكن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} .
ثم قال تعالى ذكره: {النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ} .
أي: أولى بهم من بعضهم لبعض ، مثل: {فاقتلوا أَنفُسَكُمْ} [البقرة: 54] {تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 85]
وقيل: المعنى: أمر النبي أولى بالاتباع مما تأمر به النفس.
وقال ابن زيد: المعنى: ما قضى فيهم النبي من أمر جاز ، كما كلما قضيت على عبدي جاز.
وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلاَّ وَأَنَا أَوْلَى النَّاس بِه فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ، اقْرَؤْوا إِنْ شِئْتُمْ:"النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم"، فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ تَرَكَ مَالاً فَلَوَرَثَتِهِ وَلِعَصَبَتِهِ مَنْ كَانُوا ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْناً أَو ضِيَاعاً فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلاَهُ".
وحكى قتادة والحسن: بأنه كان يقرأ في بعض القراءات:"مِنْ أنفُسِهِمْ وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ"، ولا ينبغي أن يقرأ بذلك الآن لمخالفته المصحف والإجماع.
ثم قال تعالى: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} أي: في الحرمة كالأم ، فلا يحل تزوجهن من بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كما لا يحل تزويج الابن الأم ، وهن في الحق والتعظيم والبِرِّ كالأم .
ويروى أنه إنما فعل ذلك بهم لأنهن أزواجه في الجنة.