وقال أكثر المفسرين: إن المعنى: وما احتسبوا عن فتنة الشرك إلا قليلاً ، بل هم مسرعون إليها راغبون فيها ، لا يقفون عنها إلاّ مجرّد وقوع السؤال لهم ، ولا يتعللون عن الإجابة بأن بيوتهم في هذه الحالة عورة مع أنها قد صارت عورة على الحقيقة ، كما تعلّلوا عن إجابة الرسول والقتال معه بأنها عورة ، ولم تكن إذ ذاك عورة.
ثم حكى الله سبحانه عنهم ما قد كان وقع منهم من قبل ، من المعاهدة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم بالثبات في الحرب ، وعدم الفرار عنه فقال: {وَلَقَدْ كَانُواْ عاهدوا الله مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الآدبار} أي من قبل غزوة الخندق ومن بعد بدر ، قال قتادة: وذلك أنهم غابوا عن بدر ورأوا ما أعطى الله أهل بدر من الكرامة والنصر فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلنّ ، وهم: بنو حارثة وبنو سلمة {وَكَانَ عَهْدُ الله مَسْؤُولاً} أي مسؤولاً عنه ، ومطلوباً صاحبه بالوفاء به ، ومجازي على ترك الوفاء به.
{قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار إِن فَرَرْتُمْ مّنَ الموت أَوِ القتل} فإن من حضر أجله مات أو قتل فرّ أو لم يفرّ {وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} أي تمتعاً قليلاً أو زماناً قليلاً بعد فرارهم إلى أن تنقضي آجالهم ، وكل ما هو آت فهو قريب قرأ الجمهور: {تمتعون} بالفوقية ، وقرأ يعقوب الحضرمي في رواية الساجي عنه بالتحتية.
وفي بعض الروايات"لا تمتعوا"بحذف النون إعمالاً ل"إذن"، وعلى قراءة الجمهور هي ملغاة.
{قُلْ مَن ذَا الذي يَعْصِمُكُمْ مّنَ الله إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً} أي هلاكاً أو نقصاً في الأموال وجدباً ومرضاً {أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً} يرحمكم بها من خصب ونصر وعافية {وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مّن دُونِ الله وَلِيّاً} يواليهم ، ويدفع عنهم {وَلاَ نَصِيراً} ينصرهم من عذاب الله.