فمعنى: {اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ . .} [الأحزاب: 9] لا تمروا على النعم بغفلة لرتابتها عندكم ، بل تذكروها دائماً ، واجعلوها في بؤرة شعوركم ؛ لذلك جعل الله الذكر عبادة ، وهو عبادة بلا مشقة ، فأنت حين تصلي مثلاً تستغرق وقتاً ومجهوداً للوضوء وللذهاب للمسجد ، كذلك حين تزكي تُخرِج من مالك ، أما الذكْر فلا يُكلِّفك شيئاً .
لذلك في سورة الجمعة حينما يستدعي الحق سبحانه عباده للصلاة ، يقول: {يا أَيُّهَا الذين آمنوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الجمعة فاسعوا إلى ذِكْرِ الله وَذَرُواْ البيع ...} [الجمعة: 9] فهنا حركتان: حركة إيجاب بالسعي إلى الصلاة ، وحركة سَلْب بترْكِ البيع والشراء ، وكلّ ما يشغلك عن الصلاة .
ثم يقول تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا فِي الأرض وابتغوا مِن فَضْلِ الله واذكروا الله كَثِيراً ...} [الجمعة: 10]
وفي موضع آخر قال:
{وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ} [العنكبوت: 45] فإياك أن تظن أن الله يريد أنْ تذكره ساعة الصلاة فحسب ، إنما اذكره دائماً وأبداً ، وإنْ كانت الصلاة لها ظرف تُؤدِّي فيه ، فذِكْر الله لا وقتَ له ؛ لذلك جعله الله يسيراً سهلاً ، لا مشقة فيه ، لا بالوقت ولا بالجهد ، فيكفي في ذِكْر الله أنْ تتأمل المرائي التي تمر بها ويقع عليها نظرك لترى فيها قَدرة الله .
والحق سبحانه يُذكِّرنا بنعمه ؛ لأن النعمة بتواليها على النفس البشرية تتعوَّد عليها النفس ، ويحدث لها رتابة ، فلا تلتفت إليها ، فأنت مثلاً ترى الشمس كل صباح ، لكن قلَّما تتذكر أنها آية من آيات الخالق - عز وجل - ونعمة من نعمه ؛ لأنك تعوَّدت على رؤيتها ، وأصبحت رتيبة بالنسبة لك .