وقوله تعالى: {اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ . .} [الأحزاب: 9] ما هو الذكر؟ العقل حين يتلقَّى المعلومات من الحواسِّ يقارن بينها ويُغربلها ، ثم يحتفظ بها في منطقة منه تمثل خزينة للمعلومات ، وما أشبه العقل في تلقي المعلومات بلقطة (الفوتوغرافيا) التي تلتقط الصورة من مرة واحدة ، والناس جميعاً سواء في تلقي المعلومات ، المهم أن تصادف المعلومة خُلوّ الذِّهْن مما يشغله .
وهذه المنطقة في العقل يسمونها بؤرة الشعور ، وهي لا تلتقط إلا جزئية عقلية واحدة ، فإذا أردتَ استدعاء معلومة من الحافظة ، أو من حاشية الشعور ، فالذاكرة هي التي تستدعي لك هذه المعلومة ، وتُخرِجها من جديد من حاشية الشعور إلى بؤرة الشعور .
ثم هناك ما يُسمَّى بتداعي المعاني ، حين يُذكِّرك شيء بشيء آخر ، وهناك المخيِّلة ، وهي التي تُلفِّق أو تُؤلِّف من المعلومات المختزنة شيئاً جديداً ، ونسميه التخيُّل ، فالشاعر العربي حين أعجبه الوشم باللون الأخضر على بشرة شابة بيضاء تخيَّلها هكذا .
خَوْدٌ كأنَّ بَنَانَهَا فِي ... نَقْشِهِ الوَشْمِ المُزَرَّدْ
سَمَكٌ مِنَ البللَّوْرِ فِي ... شَبَكِ تكوَّنَ مِنْ زَبَرْجَدْ
فهذه صورة تخيُّلية خاصة بالشاعر ، وإلا فَمْن مِنَّا رأى سمكاً من البللور في شبك من زبرجد؟ فللشاعر نظرته الخاصة للصور التي يراها ، وسبق أنْ ذكرنا الصورة التي رسمها الشاعر للأحدب ، فقال:
قَصُرَتْ أَخَادِعُه وغَاصَ قَذَالُه ... فَكأنَّهُ مُترِّبصٌ أنْ يُصْفَعَا
وكأنَّمَا صُفِعَتْ قفَاهُ مرةً ... فَأحسَّ ثانيةً لَهَا فَتَجمَّعا
ومنذ القِدَم يعتبر الشعراء محلاً للحب وللمشاعر ، لكن يخرج علينا هذا الشاعر بصورة أخرى جديدة من نَسْج خياله ، فيقول:
خَطَرَاتُ ذِكْرِكَ تَسْتَثِيرُ مَودَّتيِ ... فَأُحِسُّ مِنْها فِي الفُؤادِ دَبيبا
لاَ عُضْوَ لِي إلاَّ وَفيهِ صَبَابَةٌ ... فَكأنَّ أَعْضَائي خُلِقْنَ قُلُوبَا